يتنازع اليوم في سوريا منطقان قانونيان سياسيان، منطق ديني إسلامي يريد لـ»الشريعة» أن تكون قانون البلد، ثم منطق الدولة الوطنية التي تقوم على المواطنة وسيادة القانون والمساواة أمامه بصرف النظر عن الجنس والمعتقد والتفضيلات السياسية. الحكم السوري الحالي يتقلب بين المنطقين بفعل التناقض بين موقعه الدولتي وتكوينه الديني: دون أن يستطيع أن يكون واضحاً، لا مع شركائه العقديين الأصليين، وكانوا معاً قد صعدوا إلى شجرة عالية من المزايدة الدينية لا يسهل له ولهم النزول عنها، ولا مع عموم السوريين من غير المسلمين السنيين، وقطاعات من المسلمين السنيين غير متدينة أو غير مؤمنة، أو لا تربط بين إيمانها المحتمل وبين نظام قانوني وسياسي محدد. في سوريا تبلغ نسبة غير المسلمين السنيين العرب نحو الثلث بين ما يقارب 25 مليونا من السكان. ولكن هذا التقدير المبني على معطيات قديمة لا يقول شيئاً مهماً عن التفضيلات السياسية والقانونية لا للمسلمين السنيين ولا لغيرهم. هذه التفضيلات شأن متغير بتغير الأزمنة، تصعد فيها ميول وحساسيات فكرية وأخلاقية وعقدية وتنحدر أخرى، وليس هناك ما يسوغ الاعتقاد بأن هذه القاعدة العامة فقدت صلاحيتها اليوم. ورغم الصوت العالي للسلفيين فليس ثمة ما يسوغ الاعتقاد بأنهم أوسع قاعدة اجتماعية من غيرهم، أو أنهم والإسلاميين بعامة «التعبير الطبيعي» عن المجتمع السوري. ليس هناك تعبير طبيعي عن المجتمع السوري أو غيره، كل ما هناك هي تعبيرات تاريخية تتغير من حقبة إلى أخرى.
على ماذا يتنازع منطقا الدين والدولة في سوريا اليوم؟ على السيادة. والسيد، وفقاً لبعض فقهاء القانون، هو من يقرر بشأن حالة الاستثناء، أي من يستخدم القانون لتعليق القوانين أو ما نعرفه في سوريا باسم حالة الطوارئ. لكن نُعرِّف السيد هنا بأنه من يضع القوانين، ومن تنعقد له الولاية العامة، ومن يحتكر العنف ووسائل الإكراه.
لا تضمن الأوامر والنواهي الدينية العدالة في بلد متعدد الأديان والمذاهب مثل سوريا. والولاية لها لا يمكن أن تكون عامة بالنظر إلى هذا الواقع نفسه، واقع وجود غير مسلمين بنسبة مهمة، وقطاعات من المسلمين لا يريدون أن يحكموا بقواعد دينية. وهذا واقع لا يتغير بالإكراه، فإن فرض غصباً، فسيزول غصباً وبكلفة عالية، على الجميع وعلى الدين نفسه. السيادة لا يمكن أن تكون دينية بالتالي. وهي اتجهت في الأزمنة الحديثة لأن تستقر في الدولة كمؤسسة أو مركب من المؤسسات العامة الممثلة بصورة ما لمجتمع سكانها. هذا واقع عالمي لا خارج له ولا منأى منه، والعالم مصلحة عامة للبشر أجمعين، ولنا بينهم، وإن توجب إصلاح أنظمته المتزايدة الاختلال اليوم على نحو أوفق للعدالة.
وما يبدو أن الإسلاميين بعامة يريدونه، والسلفيون منهم بخاصة، ليس أن يتمتعوا بالحرية السياسية والاجتماعية مثل غيرهم وإلى جانب غيرهم، أن تكون لهم منظمات وشبكات تعمل سلمياً وبحرية فلا سجون ولا تعذيب، بل أن يكونوا وحدهم أحراراً، يقررون بشأن حقوق وحريات غيرهم، وحياتهم كذلك. وهذا يتجاوز أن تكون السيادة لهم والدولة ملكهم، إلى ملكية المجتمع ذاته. الدولة الدينية، وينبغي أن يقال ذلك بوضوح، ليست دولة عامة، بل هي حكم فئوي نخبوي، ينكر العدالة والحقوق على من لا يوالونه، فلا يقف في تمييزه عند غير المسلمين، بل لن يلبث أن يشمل أكثر المسلمين أنفسهم. وهو لا يسمح بقيام مجتمع أصلاً لأنه شديد التدخلية في الحريات الاجتماعية والحياة الخاصة.
واستناداً إلى مثل هذه الاعتبارات، كان كاتب هذه السطور قد اقترح قبل سنوات تصوراً للعلمانية يقوم على الفصل بين الدين والسيادة، وليس بين الدين والسياسة. فبينما لا ينبغي أن يحول حائل دون تمتع الإسلاميين بالحريات والحقوق السياسية التي كانت تنكر عليهم (وعلى غيرهم)، فيشكلون منظماتهم وجمعياتهم السياسية، ويترشحون وينتخبون ويصدرون الصحف، إلا أن السيادة ينبغي أن تقر في الدولة وقوانينها الوضعية الجامعة التي تسري على للجميع. أي ألا يكون للإسلاميين نفاذ إلى وسائل الإكراه وقواه، وألا تكون ولايتهم عامة. الولاية الدينية خاصة وطوعية، يضبط أنفسهم بها المسلمون المؤمنون، لا تتعداهم إلى غيرهم.
لا تكون الدولة دولة عامة، دولة يتماهى بها ويدافع عنها مواطنوها، إلا بقدر ما تكون دولة قانون وحرية، تضمن الحقوق ذاتها لجميع سكانها
وما يبنى على ذلك هو تصور «تسوية تاريخية»، يكسب فيها الإسلاميون شيئاً ويتخلون عن شيء: يكسبون السياسة ويتخلون عن السيادة. وتكسب الدولة شيئاً وتتخلى عن شيء: تكسب السيادة بلا منازعة، بخاصة احتكار العنف والولاية العامة على جميع السكان، وتتخلى عن الحكم المطلق غير الدستوري، ويكسب المجتمع شيئين: حريات دينية وسياسية، ودولة اجتماعية عامة، لكن تنضبط مجموعاته المتنوعة بالنظام القانوني الواحد.
لكن هل يحتمل للإسلاميين الذين لم يعرضوا أدنى ميل للتسوية قبل السلطة، أن يقبلوها اليوم وهم في السلطة؟ ما الذي يجبرهم على ذلك؟ شيئان. أولهما مطالب وحاجات المجتمع السوري الخارج من 15 عاما من الثورة والحرب، والذي ليس هناك حلول لمشكلاته في الدين، مثلما هو ظاهر من سيرة الحكم الحالي خلال ما يقترب من عامين. فإما يحكم بالقوة الوحشية ويحكم على نفسه بالسقوط بعد حين يطول أو يقصر، أو يتحول باتجاه حكم تمثيلي تعددي. وهو ما يدعو إليه الشيء الآخر: منطلق الدولة الموضوعي، وهذا منطق بشري وضعي، يقوم على اعتبارات حقوقية ومؤسسية وتنموية لا دين لها. ليس الحلال والحرام ما يجعلان الدولة تمنع شيئاً وتلزم بشيء آخر، بل مقتضيات دنيوية عقلانية، حوافزها اقتصادية أو أمنية أو اجتماعية. الحلال والحرام يحكمان سلوك الأفراد والمجموعات المؤمنة في تفاعلاتهم البينية.
ما هي الخيارات غير التسوية التاريخية المقترحة؟ دولة دينية، تفرض نفسها بالقوة على الجميع، تستأثر بالسيادة والسياسية معاً، وتحيل غير المسلمين إلى مواطنة من الدرجة الثانية أو أقل، وتبيح دم من فقدوا إيمانهم من المسلمين؛ أو علمانية أتاتوركية، تحرم الجماعات الدينية من السياسة والظهور العام، وتسحق من يعترض على هذا الترتيب؛ أو إدارة الأزمة الدينية والدولتية على الطريقة الأسدية: تركيز السيادة والسياسة في مركب سياسي أمني ضيق، يقرر مساحات العمل الديني (وغير الديني) وصوره المقبولة. وكان قد راج في حقبته تصور للعلمانية يضاد الحريات السياسية للإسلاميين، ولا يدافع عنها لغيرهم. سميتُه في سنوات ما قيل الثورة العلمانية التسلطية وأحياناً العلمانية الجهادية.
ويمكن تصور إدارة مغايرة للأزمة الدينية الدولتية نرجح أن يتبعها الحكم الحالي لأنه يفتقر إلى الموارد الفكرية والأخلاقية التي تتيح له معالجة جذرية للأزمة، ولأن من شأن دوامها أن تسهل المسالك التسلطية المتوافقة من وجه آخر مع التناقض بين موقعه الدولتي الحالي وتكوينه الديني الموروث.
وبالنظر إلى هذه الاحتمالات الأربعة، لا يبدو أن هناك تصورا منافسا سياسياً وأخلاقياً لتسوية تاريخية تقوم على الحرية الدينية وسيادية الدولة من أجل التخلص من التسلطية التي تعيش على التناقضات غير المحلولة (فضلا عن ضربي الطغيان الديني أو الدولتي (الموافقين لاحتمالين الأول والثاني، الأتاتوركي والطالباني). أي أن هذا التصور الملائم لعلمانية مطابقة هو الأنسب كذلك للديمقراطية.
والواقع أن هذا التصور يتوافق مع صلاح أمر الدين والدولة معاً. فلا يكون الدين إيماناً ولا يتوافق مع اتساع مساحة الروح في الأنفس إلا بقدر ما ينفصل كلياً وبكل الصور عن الإكراه المولد بالمقابل للنفاق والكراهيات، بالنظر إلى بداهة أن الناس يَكرهون ما يُكرهون عليه. ولا تكون الدولة دولة عامة، دولة يتماهى بها ويدافع عنها مواطنوها، إلا بقدر ما تكون دولة قانون وحرية، تضمن الحقوق ذاتها لجميع سكانها وتعمل في خدمتهم. أي أن التسوية التاريخية المقترحة تكفل مطابقة كل من الدين والدولة لأفضل تصورين لهما، أكثر من الأوضاع التي تسيطر فيها دولة طغيانية على العمل والتفكير الديني، أو تتحكم فيها سلطة دينية بحقوق وحريات السكان المتنوعين.
٭ كاتب سوري











0 تعليق