Advertisement
أولاً: إيجابيات الاجتماع
لا يختلف اثنان على أن انعقاد هذا الاجتماع بحد ذاته يحمل دلالات إيجابية متعددة، أبرزها أنه عكس رغبة حقيقية لدى عدد من الدول المشاركة في تقديم المساعدة للجيش ، سواء عبر التجهيز أو التدريب أو الدعم اللوجستي. هذه الرغبة، وإن كانت متفاوتة الحجم والوتيرة بين دولة وأخرى، تشكل مؤشراً على أن المجتمع الدولي لم يدر ظهره بالكامل لملف الاستقرار اللبناني، وأن هناك من لا يزال يراهن على الجيش كضمانة أساسية لمنع الانزلاق نحو الفوضى أو الفراغ الأمني في المرحلة المقبلة.
والأهم من ذلك أن الاجتماع جاء ليشكل دعماً سياسياً غير مباشر للتوجه اللبناني الرسمي، الذي يتبناه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، والقاضي بحصرية السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، بما فيها المناطق الجنوبية التي لا تزال تشهد خروقات واعتداءات إسرائيلية متكررة. فحين تلتقي دول العالم على طاولة واحدة لبحث سبل دعم الجيش، فإن ذلك يرسل رسالة مفادها أن الخيار اللبناني الرسمي يحظى بتفهم دولي، وأن الرهان على مؤسسات الدولة الشرعية لا يزال قائماً، في مقابل أي رهان على قوى أو أطر خارجة عن الشرعية.
يضاف إلى ذلك أن مثل هذه الاجتماعات تتيح للقيادة اللبنانية، ولا سيما رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش، فرصة لعرض احتياجات المؤسسة العسكرية بشكل مباشر أمام صناع القرار الدوليين، وتوضيح الفجوة القائمة بين حجم المهام الموكلة إلى الجيش، من ضبط الحدود ومكافحة الإرهاب وصولاً إلى نشر قواته جنوب الليطاني، وبين الإمكانات المتاحة له فعلياً. وهذا التوضيح، إذا ما أُحسن استثماره، يمكن أن يترجم مستقبلاً بمساعدات ملموسة تسهم في سد بعض هذه الفجوات. وبدا في اجتماع باريس أن تفهماً واضحاً ظهر من المشاركين يتقدمهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لموقف لبنان . كما لقيت كلمة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إصغاء واهتماماً وصدى ايجابياً . علماً ان اسئلة عدة طرحت في الاجتماع المغلق كانت صراحة قائد الجيش القاسم المشترك في الاجوبة عليها .
ثانياً: سلبيات الاجتماع
هذا التناقض الجوهري، القائم على استثمار الطرفين المتناقضين، إسرائيل و"حزب الله" ، للحجة ذاتها ولكن باتجاهين متعاكسين، يكشف عن هشاشة الموقع الذي تقف فيه الدولة اللبنانية، إذ تجد نفسها محاصرة بين رواية تُستخدم لتبرير الاحتلال، ورواية تُستخدم لتبرير بقاء السلاح غير الشرعي، فيما تبقى مؤسستها العسكرية، وهي حلقة الوصل الوحيدة بين الروايتين، في موقع الحلقة الأضعف.
في اي حال ، لا يمكن قراءة اجتماع باريس بمعزل عن الموقف الأميركي منه، وهو موقف اتسم بفتور واضح وعدم حماسة لإنجاح هذه المبادرة الفرنسية. فواشنطن، التي دأبت منذ سنوات على الاحتفاظ بحصرية شبه كاملة في تزويد الجيش بالتجهيزات العسكرية وفي الإشراف على برامج تدريبه، لا تبدي ارتياحاً لأي محاولة فرنسية للعب دور موازٍ أو منافس في هذا الملف، حتى لو كان هذا الدور مكمّلاً من حيث الظاهر .
فالولايات المتحدة تدرك أن حصريتها في تسليح الجيش تمنحها أداة نفوذ مباشرة على القرار العسكري اللبناني، وهي أداة لا ترغب في مشاركتها مع أي طرف دولي آخر، بما في ذلك فرنسا التي تربطها بلبنان علاقات تاريخية وثيقة. ويزداد هذا التحفظ الأميركي حدّة حين يُطرح احتمال تقديم باريس مساعدات عسكرية فرنسية مباشرة للجيش ، إذ ترى واشنطن في ذلك تهديداً محتملاً لموقعها الحصري، فضلاً عن أنها لا تريد أن تتحول فرنسا إلى لاعب مؤثر في تحديد شكل ومضمون الدعم العسكري الذي يحصل عليه لبنان.
في الخلاصة، يبقى اجتماع باريس، بما حمله من إيجابيات وسلبيات، محطة مهمة لكنها غير كافية بذاتها. فهو أظهر تعاطفاً دولياً مع الجيش وثقة متجددة بدوره الوطني الجامع، لكنه في الوقت نفسه كشف هشاشة موقع الدولة اللبنانية، وأعطى ذريعة لكل من يريد التذرع بضعفها لتبرير مواقفه، سواء كان احتلالاً أو سلاحاً خارج الشرعية. كما أنه اصطدم بحسابات النفوذ الدولي، ولا سيما الأميركي منها، التي لا تريد لأي طرف آخر أن ينازعها موقعها الحصري في تحديد مستقبل الجيش.
من هنا، فإن اجتماع باريس بحاجة إلى متابعة جدية ومستدامة، تترجم التعهدات السياسية إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض، وتحوّل التعاطف الدولي إلى التزامات فعلية بعيداً عن حسابات النفوذ والتنافس بين الدول الداعمة. كما أن الدولة اللبنانية مدعوة، في موازاة استثمارها لهذا الزخم الدولي، إلى تعزيز خطابها السيادي الذي يؤكد أن بناء قدرات الجيش ليس تعبيراً عن ضعف الدولة، بل هو استثمار استراتيجي في مؤسسة وطنية جامعة، تشكل الضمانة الحقيقية لاستعادة لبنان سيادته الكاملة على كامل أراضيه، بمعزل عن أي حسابات إقليمية أو دولية متضاربة. لكن السؤال يبقى : هل هذه الحكومة - التي خرجت بثقة هزيلة من جلسات المناقشة في مجلس النواب قبل ايام - قادرة فعلا على استثمار البعد الدولي لاجتماع باريس فتتصرف على نحو مغاير لتصرفاتها الراهنة التي تنم عن إرباك وضياع وقلة خبرة في مقاربة الشؤون الوطنية بعيدا عن الحسابات الشخصية والمصالح الضيقة !؟








0 تعليق