Advertisement
ويترجم التعنت الإسرائيلي بتجميد توسيع "المناطق التجريبية" في مقابل شروط متصاعدة، بعدما أعلنت إسرائيل أن التجربة فشلت ولم تحقق أهدافها. لكن السؤال الأهم يبقى: من يضع أصلاً معايير النجاح والفشل في اختبار تحدد إسرائيل شروطه ثم تتولى وحدها إصدار الحكم عليه؟
فعندما تكون تل أبيب واضعة الإحداثيات وقارئة النتائج في آن، يتحول "الفشل" إلى مصطلح قابل للتوظيف وفق المصلحة التفاوضية. وفي المقابل، تتمسك الولايات المتحدة بمسار المناطق التجريبية بوصفه الخيار الأكثر قابلية للتطبيق لتحقيق الأمن والاستقرار على المدى الطويل.
وسط ذلك، يجد الجيش نفسه في موقع حرج، إذ يُطالب بتنفيذ عمليات ضد بنى تحتية محددة، من دون آلية دولية مستقلة وواضحة للتحقق من تنفيذ الالتزامات من الجانبين. وهو فراغ يجعل تقييم أدائه عرضة للتسييس، بالتزامن مع جولة مرتقبة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ستختبر ما إذا كان بالإمكان كسر الجمود، أم أن المسار يتجه نحو مراوحة جديدة تترك الجيش وحده أمام استحقاق لم يضع قواعده.
إعادة تعريف شروط نجاح المناطق التجريبية
في هذا السياق، يرى العميد المتقاعد أندريه بو معشر، عبر "لبنان24"، أن إسرائيل لا تكتفي بتوجيه ملاحظات إلى أداء الجيش، بل تحاول من خلال تقييمها إعادة تعريف شروط نجاح "المناطق التجريبية"، ونقل مركز النقاش من التزامها بالانسحاب إلى مدى رضاها عن مستوى التنفيذ اللبناني.
ويعتبر أن الحديث عن "فشل" المشروع يفترض وجود معيار متفق عليه للنجاح، وآلية مستقلة للتحقق منه، وتسلسلاً واضحاً يربط تنفيذ الالتزامات اللبنانية بالانسحاب الإسرائيلي، وهي عناصر لم تكتمل حتى الآن.
ومن المنظور اللبناني، يمكن قبول توصيف أن التجربة لم تنجح، لكن مع اختلاف جوهري حول أسباب الفشل. فالمشروع لم يُنشأ ليكون اختباراً منفرداً لقدرة الجيش على تنفيذ مطالب أمنية، بل نموذجاً متدرجاً يسمح للدولة ببسط سلطتها جنوب الليطاني، بالتوازي مع إعادة انتشار إسرائيلية وانسحاب من مناطق تُسلَّم للدولة اللبنانية.
وبالتالي، يرتبط نجاح المشروع بما ينتجه انتشار الجيش من تغيير في الواقع السيادي. فإذا انتشر الجيش من دون انسحاب إسرائيلي، أو نُفذت الالتزامات اللبنانية من دون الانتقال إلى مرحلة جديدة، فإن المشروع يفقد جزءاً أساسياً من منطقه.
ويسأل بومعشر: هل كان الهدف اختبار قدرة الجيش على الانتشار، أم اختبار قدرة المنظومة كلها على الانتقال من الاحتلال إلى السيادة اللبنانية؟
إذا كان الهدف هو الخيار الثاني، فإن نجاح المنطقة التجريبية يجب أن يقوم على معادلة متكاملة: انتشار الجيش، تحقق من جهة مختصة، انسحاب إسرائيلي، ثم الانتقال إلى منطقة جديدة. أما اختزال التجربة في مراقبة أداء الجيش وحده، فيعني عملياً تغيير وظيفة المشروع.
ويشير بو معشر إلى أن الاتفاق لم يُحسم بعد على الجهة التي تتولى التحقق، ولا على صلاحياتها أو المعايير الفنية والسياسية التي تحدد متى تصبح المنطقة خاضعة فعلاً لسيطرة الدولة اللبنانية.
"فشل التجربة" كورقة تفاوض
وتزداد خطورة هذه المسألة عندما يتحول التقييم الإسرائيلي إلى ورقة تفاوضية. فالحديث عن فشل المشروع يمكن أن يُستخدم لتبرير تأجيل الانتقال إلى مناطق إضافية، ووقف أي انسحاب جديد، والإبقاء على حرية العمل العسكري بذريعة استمرار التهديد.
وبحسب بو معشر، يؤدي ذلك إلى قلب ترتيب الالتزامات: فبدلاً من تنفيذ متدرج ومتبادل، يصبح المطلوب تنفيذاً لبنانياً مفتوحاً، مقابل انسحاب إسرائيلي مؤجل إلى حين اقتناع إسرائيل بأن شروطها قد تحققت.
وهنا يصبح معيار النجاح خاضعاً لتقدير أمني إسرائيلي متغير، لا لاتفاق واضح أو جدول زمني محدد. وهو، برأيه، أخطر ما يمكن أن ينتج عن مسار المناطق التجريبية، لأن الاحتلال يتحول من واقع يُفترض إنهاؤه إلى ورقة ضغط لفرض شروط إضافية.
من الانسحاب إلى "العمق الأمني"
وتكتسب هذه القراءة أهمية أكبر مع الخطاب الإسرائيلي المتكرر بشأن البقاء في "منطقة أمنية" وربط الانسحاب الكامل بتحقق شروط أمنية واسعة.
فإذا أصبحت إسرائيل تعتبر أن أمن شمالها يتطلب وجوداً دائماً أو طويل الأمد داخل الأراضي اللبنانية، فإن الخلاف، وفق بو معشر، لم يعد يتعلق فقط بتوقيت الانسحاب، بل بمفهوم الأمن نفسه.
وهنا تنتقل إسرائيل، برأيه، من فكرة المنطقة العازلة ذات الحدود الواضحة والقابلة للتفاوض، إلى ما يمكن وصفه بـ"العمق الأمني"؛ وهو مفهوم متغير تحدده طبيعة التهديد والتضاريس ووسائل المراقبة وحرية الحركة والقدرة على التدخل.
ويفسر ذلك أهمية الحديث عن نقاط استراتيجية مثل مرتفعات علي الطاهر. فإذا أصبحت السيطرة على موقع داخل الأراضي اللبنانية تُبرر باعتبارها ضرورة لحماية شمال إسرائيل، فإن الحدود الدولية لم تعد تشكل الحد النهائي لمفهوم الأمن الإسرائيلي.
وهنا، وفق بو معشر، يكمن الخطر الحقيقي على أي مسار تفاوضي يفترض أن تكون غايته النهائية الانسحاب الكامل.
لا لتحميل الجيش مسؤولية الفشل
ويحذر بو معشر من تحميل الجيش مسؤولية تعثر المشروع. فهو مسؤول عن تنفيذ قرار الدولة وفرض سيادتها حيث تسمح الظروف السياسية والميدانية، لكنه لا يملك وحده القدرة على حسم عناصر الاتفاق الأساسية.
فهو لا يستطيع تعيين جهة التحقق، أو إلزام إسرائيل بالانسحاب، أو وقف الغارات بقرار منه، أو وضع الإطار السياسي لمعالجة ملف سلاح حزب الله.
لذلك، فإن تقييم نجاحه أو فشله يجب أن يتم ضمن صورة أوسع. فالجيش يستطيع تنفيذ ما يُطلب منه، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج النتيجة السياسية النهائية لمسار تفاوضي متعدد الأطراف.
ويؤكد بو معشر أن المسألة لا تتعلق بإعفاء المؤسسة العسكرية من مسؤولياتها، بل بمنع تحويلها إلى الحلقة الوحيدة التي تتحمل مسؤولية تعثر منظومة لم تُستكمل شروطها بعد.
الجولة المقبلة وقواعد التفاوض
وعن الجولة المقبلة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، يتوقع بو معشر أن تكون أكثر حساسية من سابقاتها، معتبراً أن النقاش يجب أن يتجاوز تحديد اسم المنطقة التالية إلى إعادة تعريف قواعد المشروع نفسه.
فالمرحلة المقبلة، برأيه، تفرض حسم مسائل أساسية: من يتحقق؟ وفق أي معايير؟ ما الذي يثبت نجاح التنفيذ؟ وما هي الخطوة الإسرائيلية المقابلة؟
ومن دون آلية مستقلة للتحقق، سيبقى كل طرف قادراً على إصدار حكم مختلف على النتائج. ومن دون تلازم واضح بين التنفيذ اللبناني والانسحاب الإسرائيلي، سيتحول المشروع إلى التزام أحادي الاتجاه. ومن دون جدول زمني، ستبقى كل مرحلة مفتوحة أمام شروط وتأويلات أمنية جديدة.
الأخطر أن تمر الجولة المقبلة من دون ربط واضح بين ما ينفذه لبنان وما تقدمه إسرائيل مقابله، فيبتعد المسار خطوة عن "إنهاء الاحتلال" ويقترب خطوة من "تنظيم بقائه".
وهذا ما يجعل الجولة المقبلة أكثر حساسية، إذ ستكشف ما إذا كان لبنان لا يزال يفاوض على استعادة سيادته، أم أنه بدأ، من دون إعلان صريح، يتعايش مع واقع جديد يعيد رسم حدود هذه السيادة بصمت.





0 تعليق