الدولة شريكة في الفوضى الرقمية وأطفال لبنان يدفعون الثمن.. مَن يحاسب صُنّاع المحتوى؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
لا يحتاج الطفل في لبنان إلى البحث عن محتوى غير ملائم. يكفي أن ينتقل بين مقاطع الفيديو والبث المباشر ليصادف شتائم وإيحاءات جنسية وحركات فاضحة ومشاجرات مفتعلة، وصولاً أحياناً إلى أفعال تُعرض أمام الجمهور سعياً وراء المشاهدات والهدايا المالية. وفي المساحة نفسها، تنتشر حملات التخوين والتجييش الطائفي والتحريض السياسي من دون فصل واضح بين الرأي والدعوة إلى الكراهية أو العنف.

Advertisement


المشكلة لم تعد في "سوء الذوق" وحده. فالمنصات التي يتابعها اللبناني يوميا مصممة لإطالة وقت المشاهدة، وقد أوضحت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أن أنظمة التوصية يمكن أن تضخّم المحتوى المثير أو الضار، لأن الانتشار يقوم على حجم التفاعل لا على القيمة أو ملاءمة المادة لعمر المشاهد. ويصبح الخطر أكبر في بلد بلغ فيه عدد هويات مستخدمي مواقع التواصل 4.58 ملايين في نهاية 2025، بما يعادل 78.1 في المئة من السكان، مع التنبيه إلى أن الرقم يمثل حسابات أو هويات رقمية لا أشخاصاً فريدين.

المفارقة أن رئيس الجمهورية وقّع في 27 آب قانون الإعلام الجديد، لكنه ينظم المؤسسات الإعلامية والمواقع الإلكترونية المهنية أساساً. أما المؤثرون والمدوّنون وصنّاع المحتوى والحسابات الشخصية غير مشمولين به، فيما لا يزال مشروع القانون الخاص بهم في مرحلته التحضيرية، ولم تُنجز مسودته الأولى بعد.

هذا لا يعني أن الإنترنت خارج القانون كلياً. فقد وسّع القانون رقم 81 الصادر عام 2018 مفهوم النشر ليشمل الوسائل الإلكترونية، وجرّم إنتاج مواد الاستغلال الجنسي للقاصرين ونشرها أو بثها، مع تشديد العقوبة عند استخدام الإنترنت. كما يمكن تطبيق مواد قانون العقوبات المتعلقة بالآداب العامة وإثارة النعرات المذهبية والعنصرية على المنشورات والبث المباشر.

لكن هذه النصوص تعاقب الفعل بعد وقوعه؛ فهي لا تفرض على المنصات منع وصوله إلى الأطفال، ولا تحدد سناً قانونية لإنشاء الحساب، ولا تضع نظاماً سريعاً لتصنيف البث أو وقف انتشاره أو تعطيل أرباحه. وقد كشفت قضية "عصابة تيك توك"، التي بدأت عام 2024 وانتهت في تموز 2026 بأحكام وصلت إلى السجن 15 عاماً، أن القضاء يستطيع معاقبة المعتدين، لكنه لا يملك وحده بناء بيئة رقمية تمنع الاستدراج قبل حدوثه.


حتى اليوم، لا يوجد في لبنان قانون نافذ يمنع طفلاً من إنشاء حساب. الحد الأدنى البالغ 13 عاماً على "تيك توك" و"إنستغرام" هو شرط تضعه الشركتان، لا الدولة اللبنانية. ويشترط "تيك توك" بلوغ 18 عاماً للبث المباشر، فيما يحدد "يوتيوب" السن بـ16 عاماً، لكن فاعلية هذه الحدود تبقى مرتبطة بقدرة الشركات على كشف العمر الحقيقي.

بدأ التحرك الرسمي متأخراً. فقد شكّل مجلس الوزراء في 26 شباط لجنة لإعداد استراتيجية لحماية الأطفال على الإنترنت، لكنها عقدت اجتماعها الأول في 23 تموز. وهناك اقتراحان نيابيان: الأول يقيد استخدام من هم دون 16 عاماً إلا بإذن الأهل، والثاني يحظر إنشاء الحسابات لمن هم دون 14 عاماً. إلا أن الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أوصت بعدم إقرارهما بصيغتهما الحالية، بسبب غياب ضمانات الخصوصية والرقابة المستقلة وآليات الاعتراض، واقترحت تنظيماً متدرجاً يحمّل المنصات المسؤولية بدلاً من الاكتفاء بحظر الأطفال.

المراقبة الاهم تبدأ في المنزل
إيمان، وهي أم أربعينية لثلاثة أولاد، تشرح كيف تمكّنت من اكتشاف أن ابنها البالغ 13 عاماً يتابع عبر هاتفه بثوثاً مباشرة تتضمن كلاماً بذيئاً وإيحاءات جنسية وحركات غير لائقة.

وتقول لـ"لبنان24": "بدأت القصة عندما لاحظت أنه يردد عبارات لم يكن يستخدمها سابقاً، بعدما كانت تعتقد أن وقته على الهاتف يقتصر على مشاهدة مباريات كرة القدم ومقاطع الألعاب. سألته من أين سمع هذه الكلمات، فأجابني بأنها منتشرة بين رفاقه. راجعت سجل المشاهدة، فوجدت بثوثاً مباشرة تتضمن شتائم وإيحاءات جنسية. بعض المقاطع لم يبحث عنها بنفسه، بل ظهرت تباعاً على صفحته الرئيسية".

وعندما سألته والدته عن سبب متابعة هذه الحسابات، أجاب: "في البداية ظهر أحد المقاطع وحده وضحكت عليه. بعدها صار التطبيق يعرض لي الحسابات نفسها. جميع رفاقي يعرفون هؤلاء ويتحدثون عنهم، وإذا لم أشاهدهم لا أفهم ما يقولونه".

وتوضح إيمان أنها كانت تتابع الحساب المعروف لابنها، لكنها اكتشفت لاحقاً أنه أنشأ حساباً ثانياً وسجّل عمره على أنه 19 عاماً، بعدما أخبره أحد أصدقائه بأن اختيار عمر أكبر يتيح له مشاهدة محتوى واستخدام خصائص إضافية.

وتضيف: "كنت أعتقد أن متابعتي لحسابه تكفي، لكنني لم أكن أرى ما تعرضه له الخوارزمية، ولا أعرف بوجود الحساب الآخر. اكتشفت أن معرفة كلمة المرور لا تعني أن الطفل محمي".

أما الابن، فيقول إنه لم يكن ينظر إلى هذه المقاطع باعتبارها مسيئة: "كنا نراها مضحكة. كلما قال صاحب البث كلاماً أقسى، ارتفع عدد المشاهدين والهدايا. لم أفكر في أن ما أشاهده يمكن أن يؤثر في كلامي أو تصرفاتي".

بعد اكتشاف الأمر، حذفت إيمان الحساب الثاني، وفعّلت أدوات الرقابة الأبوية، ومنعت استخدام الهاتف داخل غرفة النوم ليلاً. لكنها ترى أن المسؤولية لا يمكن أن تقع على الأسرة وحدها:"يمكنني مراقبة هاتف واحد، لكنني لا أستطيع مراقبة آلاف المقاطع التي تقرر المنصة عرضها عليه. إذا كانت الشركات تعرف عمر الطفل، فعليها أن تتحمل مسؤولية ما يصل إليه".

وبالتالي، لم يعد مقبولاً أن تكتفي الحكومة بمراقبة هذا الانفلات من بعيد، ثم تتحرك بعد تحوّل المحتوى إلى فضيحة أو وقوع طفل ضحية. فحماية القاصرين لا تُترك لشروط تضعها شركات أجنبية، ولا يمكن تحميل الأهل وحدهم مسؤولية مواجهة خوارزميات صُممت لجذب الأطفال وإبقائهم أطول وقت ممكن أمام الشاشة.
المطلوب من الحكومة ليس حجب المنصات أو إنشاء رقابة على الآراء، بل وضع قانون واضح يحدد سناً لإنشاء الحسابات، ويفرض حماية خاصة للقاصرين، وينظم البث المباشر والهدايا المالية، ويلزم الشركات بإزالة المحتوى الجنسي والتحريضي ومحاسبة الحسابات التي تربح منه. وعليها أيضاً تحديد جهة مستقلة تستقبل الشكاوى وتراقب التزام المنصات، بعيداً عن الاستنسابية السياسية والأمنية.
كل يوم يمر من دون تنظيم يعني ترك طفل جديد أمام محتوى لا يملك القدرة على فهمه أو مقاومته. وإذا كانت الحكومة عاجزة عن حماية القاصرين داخل مساحة يدخلونها يومياً من هواتفهم، فإنها لا تستطيع الادعاء بأنها تقوم بواجبها. الصمت لم يعد حياداً؛ بل أصبح مشاركة في الضرر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق