رسائلُ الرئيس فى الاحتفال بالمولد النبوى الشريف

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الجمعة 28/أغسطس/2026 - 10:49 م 8/28/2026 10:49:41 PM


بعث الرئيسُ السيسى فى حديثه بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوى الشريف هذا العام عدة رسائل هامة للخارج والداخل. أول وأهم الرسائل، والتى أتت فى مقدمة الحديث، جاءت فى وقتها تماما، وهى رسالة طمأنة للمصريين بأن مؤسسات الدولة فى كامل يقظتها فيما يخص أمنها القومى، وأكد على جاهزية القوات المسلحة المصرية دائما للقيام بمسؤليتها.
(1)
الرسالة الأولى طمأنت المصريين على بلادهم، وعلى قدرة القوات المسلحة التامة على حماية مصر ومقدراتها، وعلى جاهزية هذه المؤسسة الوطنية للقيام بدورها فى أى وقت. لماذا هذه الرسالة الآن تحديدا؟ أى مصرى لديه الحد الأدنى من العقل والإنصاف ويتابع الشأن العام فى السنوات الماضية، لا بد وأن يكون على يقين تام من قدرة المؤسسة العسكرية على القيام بمهمتها الدستورية. فقواتنا المسلحة قد اُختبرتْ بالفعل فى هذه السنوات العشر الأخيرة، وليس كما يعتقد البعض أنها لم تٌختبر. لقد اُختبرت القوات المسلحة المصرية وأثبتت على سبيل اليقين هذه القدرة، ونتيجة هذا الاختبار هو موقف مصر حاليا وسط ما تعرضت له كل دول المنطقة تقريبا. فالقوات المسلحة المصرية استطاعت حماية حدود مصر التى كانت على المحك. واستطاعت أن تجعل من كلمة القيادة السياسية (لا للتهجير والتوطين فى سيناء) واقعا على الأرض. وهذه القوات المسلحة اُختبرتْ فى مجال القيام بدورها الاستراتيجى فى الداخل فى مواجهة اضطرابات السياسة فى أعوام الفوضى فى مصر. فى ظل العواصف السياسية الجارفة بمنطقة الشرق الأوسط منذ بدء مؤامرة الخريف العربى، فلو لم تكن القوات المسلحة المصرية قادرة على القيام بواجبها، لما بقيت مصر على حالها من تمام السيادة على أراضيها وحدودها. هذه هى الحقيقة الساطعة. إذن لماذا أرسل الرئيسُ هذه الرسالة الآن للمصريين؟ أعتقد أن الرئيس يتابع ما يتم شنه من حملات إعلامية مدفوعة الأجر خاصة فى الأسابيع القليلة الماضية. حملات تشويه وتشكيك فى مؤسسات الدولة المصرية، وكانت المؤسسة العسكرية على رأس المؤسسات المستهدفة بالتشويه. طبيعة العلاقة بين الشعب المصرى وبين الرئيس منذ توليه الرئاسة هى التى تدفعه من وقتٍ لآخر للشرح أو التفسير المباشر للمصريين، أو الطمأنة حين يتعرض المصريون لمثل هذه الحملات الشرسة التى تستهدف زعزعة ثقتهم فى مؤسساتهم. فالمصريون ينتظرون دائما تدخله هذا بالشرح والتوضيح والطمأنة حين يشتد ضغط الأذرع الأعلامية على أعصابهم..
وإذا كان ما قاله الرئيس هو رسالة طمأنة للداخل، فهو أيضا رسالة ردع لمن يتوهم فى الخارج بقدرته على زعزعة استقرار مصر أو استهداف مقدراتها.
(2)
رسالة الرئيس الثانية للمصريين على درجة كبيرة من الأهمية والخطورة..حيث قال الرئيس نصا أنه رغم التحديات التى تواجهها مصر خارجيا، لكنه لا يقلق على مصر من هذه التحديات بقدر ما يقلق عليها من مشكلة الوعى فى الداخل. من يتأمل مجمل الأحداث التى حظيت باهتمام ومتابعة الرأى العام المصرى فى الفترة الأخيرة، سوف يفهم ما قاله الرئيس. فالأمر أصبح مثيرا للدهشة، ويمكن تلخيصه بأن بعض المصريين أصبحوا صيدا سهلا متكررا لمخالب الإعلام الموجه المعادة للدولة المصرية، ومصطلح الدولة هنا لا تعنى نظام الحكم إنما تعنى مصر كلها ككيان. 
فرغم تكرار الإنزلاق أو (الزحلقة) عشرات المرات، فما يزال مصريون كُثر ينزلقون بسهولة جدا مع أى (ترند) موجه، أو أى لقطة مصنوعة بهدف الإثارة والتشكيك، أو إى إشاعة يظهر تماما عدم منطقيتها، حتى بدا الأمر وكأن هناك مِن المصريين مَن أصبحوا من هواة الزحلقة! إذا كان من يتولون مسؤلية الإعلام عليهم دورٌ كبير فى صد الإعلام المعادى الموجه ضد مصر، فإن أى مواطن عليه نفس الواجب تجاه بلاده وتجاه نفسه..هذا الواجب الذى لا أملَ الحديث عنه هو واجب البحث المعلوماتى قبل تكوين أى رأى فى أى مسألة تخص الشأن العام. للأسف هناك من انقطعوا تماما عن هذا البحث وتخلوا عن هذه الأمانة، وأصبحوا يلهثون خلف تلال الأكاذيب، ولا يكتفون بتكوين رأى شخصى مغلوط، لكنهم ينشرون هذا الرأى ويتشنجون فى الدفاع عنه. 
فمثلا يمكن أن تجد من ينهك عقلك جدلا ويصر على اتهام الدولة بالفشل لأنها لم تحقق الإكتفاء الذاتى من القمح! تسأله عن معلوماته عن الرقعة الزراعية القديمة فى مصر وعن الرقعة التى تمت إضافتها فى سبع سنوات وعن منطقية العبارة نفسها – اكتفاء مصر الذاتى من القمح – فى ظل مفردات المياه والسكان وطبيعة الأرض.. لا يعرف ولا يهتم أن يعرف! فقط يأتيك بمعلومة أن دولة ما عدد سكانها لا يتجاوز سكان ثلاثة أحياء من القاهرة قد حققت اكتفاءً ذاتيا من القمح، بينما فشلت مصر! رغم أن مصر قد أضافت أربعة أضعاف الرقعة الزراعية فى تلك الدولة، ورغم أن ربع سكان هذه الدولة كانوا ومايزالوا يأكلون من قمح مصر! 
يمكن أن تهدر اليوم جدلا فى قصة الأسعار أيام (أبوعلاء) ومقارنتها بأسعار الآن! وكأن هذا المواطن المصرى كان يحيا فى كهفٍ فى السنوات الخمسة عشر التى تلك سقوط نظام مبارك! 
بمجرد أن يشتم أحدهم رائحة تراشق طائفى لقيط لا ينتمى للشخصية المصرية، تجده يلهث للمشاركة فى هذا الغثاء! إلى الآن هناك من يجادل فى أهمية العاصمة الإدراية، ومن يجادلك فى الاقتناع بحقيقة بسيطة أن تمويلها جاء من ريع الأراضى الصحراية التى تم تعيظم قيمتها بإنشاء مشروعات استثمار عقارى! 
كل مفردة مصرية اقتصادية من أسعار وكهرباء وقيمة العملة تجد من يجادلك فيها وهو لم يقم ببحث معلوماتى حقيقى لمدة ساعة واحدة! هناك من يعتقد أن مصر تحيا فى جزيرة منعزلة عن العالم وما يحدث فيه وما يحدث حول مصر ذاتها!
ما يخشاه الرئيس على مصر من داخلها أن يسير المصريون خلف الأكاذيب، وأن يتكاسلوا عن فرض عين وطنى وضميرى هو الحصول على معلومات حقيقية عن القضايا التى يجادلون فيها، والتى يصوغون وجهة نظرهم فيها. الباطل يقود إلى باطل..معلومات مضللة كاذبة تقود إلى نتائج باطلة وتصوغ وجهات نظر باطلة..ومن مجموع وجهات النظر هذه، يتكون الرأى العام.
(3)
وجه الرئيسُ رسالة أو تكليفا هاما للحكومة المصرية يخص قصة الوعى المصرى.. أن تقوم بإعداد ملف كامل تفصيلى عما تحقق فى مصر السنوات الماضية. وأن تقدم مضمون هذا الملف للمصريين فى شهر أكتوبر القادم. يريد الرئيسُ من الحكومة أن تتحدث معلوماتيا مع المصريين. قد يبدو هذا غريبا للبعض، وربما استغربته أنا لو لم أفهم مؤخرا جدا جانبا مهما من طبيعة المصريين. فتعليقا على مقالٍ سابق لى كتبت صديقة وزميلة مثقفة نصا (احنا عايزين حد من الحكومة يطلع يفهمنا ويرد على الحاجات اللى بتحصل..) هذا الجانب من شخصية المصريين ربما ما يزال غير مفهوم لدى البعض حتى الآن..المصريون يفضلون الحصول على توضيحات ومعلومات من المسؤلين الرسميين أكثر من الحصول عليها من وسائل الإعلام أو الوسائل التقليدية للحصول على المعلومات! ولا يعنى حديث الرئيس هذا أن هناك نقصا مثلا فى توفر وسائل تقليدية للحصول على المعلومات لمن يريد، بل يعنى بوضوح أن الرئيس يدرك جيدا هذا الجانب من طبيعة الشخصية المصرية. فحديث المسؤل أكثر قبولا لدى قطاع كبير من المصريين، وحديث المسؤل يعنى مزيدا من المسؤلية عما يقوله أمام هذا القطاع من المصريين. 
بعيدا عن هذا الجانب من طبيعة المصريين والذى استجاب له الرئيس بهذا التكليف المباشر لرئيس الحكومة، فإننى أعتقد أن قيام الحكومة بذلك – لو قامت به بالشكل الذى أتمناه – ربما يصوب خطأ سابقا مهما..هذا الخطأ هو أن أداء الحكومة الإعلامى فى التواصل مع المصريين فى السنوات الماضية لم يرتقِ لمستوى الإنجازات التى حققتها الدولة على أرض مصر. أحيانا وبصراحة كنتُ أشعر على طريقة تعبير الفنان هانى رمزى أن هناك فارق سرعات بيّن بين هاتين المفردتين (الإنجازالفعلى فى مواجهة قدرة الحكومة الإعلامية على توصيل هذا الإنجاز للشعب المصرى.)
فمثلا لم يكن هناك نشر إعلامى قوى يخص ملفات الإنتاج الزراعى فى مصر فى السنوات العشر الأخيرة مقارنة بما قبل ذلك، ولا يوجد تركيز إعلامى حكومى رسمى عن تفاصيل إنتاج مصر من كل محصول، وكيف أعادت مصر بعض المنتجات الزراعية للأسواق العالمية. نفس الشىء عن ملف التصنيع فى مصر وما يشوب ذلك من ضباب معلوماتى لدى قطاع كبير من المصريين. البنية الأساسية فى قطاعات مثل السياحة، والكهرباء..وأنا مثلا أتعجب من الصمت الحكومى تجاه ملف الكهرباء تحديدا، وكيف لا يكون المصريون منتبهين لحقيقة أن مصر مرت بغالبية أشهر الصيف دون تخفيف أحمال رغم ما يتعرض له قطاع الطاقة على مستوى العالم. صادرات مصر - ملفٌ مسكوت عنه تقريبا فى التناول الحكومى - ومقارنة ذلك بعشر سنوات سابقة. عدد المصانع التى توقفت بعد أحداث يناير وتم إعادتها للحياة. وبعض القطاعات الصناعية التى تعرضت للإهمال عبر عقود ماضية ثم تم بعثها من جديد مثل القطن.
(4)
من المشاهد الغريبة هو صمت الإعلام الحكومى عن تقديم بيانات ومعلومات تكشف التحديات التى واجهتها مصر منذ عام 2011م وكم كان ثمن مواجهة هذه التحديات من خزانة الدولة..فعلى سبيل المثال يمكن لأى منصف ملاحظة تجاهل المصريين للحديث عن تكلفة مواجهة الإرهاب..فى مخيلة كثير من المصريين أن القوات المسلحة كانت تواجه بعض المليشيات ولا تخوض حربا عسكرية حقيقية. تكلفة هذه الحرب ربما لم يكن أحد ليعرف عنها شىء لولا حديث الرئيس مرة عن تكلفة تسعين مليون دولار كل شهر لمدة سنوات..ما كلفته مواجهة الإرهاب عسكريا يجب أن يعلمه المصريون ليعرفوا كيف أنفقت الدولة أموالها..
هناك تكلفة غائبة تماما..ربما لا يكون مسموحا تناولها إعلاميا بالتفصيل لدواعى الأمن القومى..لكن الإشارة إليها واجبة من باب الإنصاف..وأقصد هنا تكلفة مواجهة تحديات الأمن القومى خارج حدود مصر على محاور كل حدود مصر..فتقريبا على كل حد من حدود مصر هناك تحديات كبرى وتهديدات مباشرة لهذه الحدود..لم يتساءل المصريون عن تكلفة النجاح فى مواجهة هذه التهديدات..حماية الحدود الشرقية وتكلفتها..حماية الحدود الجنوبية وتكلفتها..حماية ثروات مصر فى البحر المتوسط وتكلفتها..بالمنطق المجرد لو أن تكلفة القيام بهذه المهام لمصر فى ظروفٍ طبيعية كانت مثلا مليار دولار سنويا، فإن القيام بنفس المهام فى هذه الظروف الملتهبة قد تبلغ عشرة أضعاف هذا الرقم..لن يكون ممكنا أو منطقيا أن تقوم جهة رسمية بكشف هذه الأسرار على الملأ..لكن من المنصف أن يتم الإشارة إليها..على المصريين أن يدركوا – فيما يخص هذه النقطة – حقيقتين أو بديهيتين، الأولى هو إدراك وجود هذه التهديدات والتحديات وإدراك مدى خطورتها إدراكا يقينيا. والحقيقة أو البديهية الثانية أننا كشعب لا بد وأن ندرك أننا مشاركون فى تحمل تكلفة حماية البلاد..مواجهة هذه التحديات أقرب لخوض حربٍ عسكرية أخرى من حيث التكلفة..وليس منطقيا أن تخوض دولة حربين حتميتين تم فرضهما على هذه الدولة فى ظرف عشر سنوات، وألا يدرك الشعب أنه سوف يدفع ثمنهما.
(5)
بعث الرئيس عدة رسائل لأعضاء الحكومة ملخصها هو ضرورة الإنتهاء من المشروعات القومية الكبرى، وخصّ وزارة النقل التى تقوم بملحمة وطنية كبرى فى بناء جمهورية حديثة. وربما تكون هذه الرسالة مناسبة لأن يلتفت رئيس الوزراء – وهو يعد الملف الذى كلف الرئيسُ الحكومة بإعداده – إلى أهمية إلقاء الضوء على هذه الملحمة سواء فيما يخص الطرق أو السكك الحديدية أو الملاحة النهرية والبحرية. غالبية المصريين لا يدركون ما حدث وما قامت به هذه الوزارة، واستسلموا للدعاية الموجهة التى هدفت إلى حجب هذه الملحمة عن طريق أسلوب السخرية، مثلما حدث فيما يخص المونورويل على سبيل المثال..ترك مصريون كثيرون كل ما أنجزته هذه الوزارة وانساقوا خلف هذه الحملات السفيهة..
من تلك الرسائل أيضا تأكيد اهتمام القيادة المصرية بالطبقات الأكثر احتياجا وضرورة توفر منافذ لبيع السلع بأسعار مخفضة..هذه الرسالة هى بندٌ واحد فقط من مظلة الحماية الاجتماعية التى تصر القيادة المصرية على حمايتها وتعظيمها لمساعدة عموم المصريين فى مواجهة الظروف الاقتصادية العالمية، وعمل توازن مع خطوات الإصلاح الاقتصادى.
هناك رسالة مهمة لحماية مقدرات ومدخرات المصريين الخاصة، وهى الرسالة الموجهة للمطورين العقاريين. فكثيرٌ من المصريين قرروا استثمار مدخراتهم فى القطاع العقارى..وهذا القرار فى حد ذاته هو استفتاء حقيقى على ثقة المصريين فى قوة بلادهم واقتصادها..لذلك فهذه الرسالة – التى ربما تبدو غريبة للبعض – مهمة جدا لأنها من ناحية تؤكد التزام الدولة بمسؤليتها تجاه مواطنيها، ومن ناحية أخرى فهى رسالة للدفاع عن مصر واقتصادها. فوجود أى خلل فى هذا الملف من سبيله أن يزعزع الثقة فى الاستثمار فى مصر..
هناك رسالة أخرى أقرب لرسالة عتابٍ ولوم من الرئيس..أشار الرئيس إلى ظاهرة تسليم بعض المصريين لأموالهم لأشخاص لتوظيفها خارج الإطار القانونى الصحيح أو بمعنى مباشر لبعض النصابين! ثم بعد حدوث الكارثة يتجه هؤلاء الضحايا إلى الدولة ويطالبونها باسترداد أموالهم. هى ظاهرة محيرة فعلا فى سلوك بعض المصريين، وكيف يتكرر المشهد عشرات المرات ويستمر آخرون فى نفس السلوك! القانون يعاقب على جرائم النصب..لكن هذا القانون أيضا يجب أن تضاف إليه بعض التعديلات..هذه التعديلات يجب أن تشمل عقابا ماليا على من يقومون بتقديم أموالهم خارج الإطار القانونى، لأنهم بذلك يتسببون فى وجود ظاهرة مضرة بالاقتصاد المصرى، ومجهدة لأجهزة الأمن المثقلة بالأعباء..لو وجدت هذه التعديلات فأعتقد سوف تتم محاصرة هذه الظاهرة فى أضيق نطاقها..قد يكون العقاب مثلا خصم نسبة من أموالهم حال استرجاعها..
(6)
أشار الرئيس إلى أخلاقيات الإسلام فى أكثر من موضع فى خطابه. وهو بالقطع يواصل تصديه على مدار أكثر من عشر سنوات للخطاب الدينى الخاطىء، سواء صدر هذا الخطاب عن رجال دين، أو تجار السياسة الذين يحاولون امتطاء الدين لتحقيق أهداف سياسية وهم أعضاء جميع الجماعات المتأسلمة المتطرفة أو الإرهابية..ومن يسير على نهجهم من آحاد المسلمين. 
لفت حديث الرئيس فى هذه النقطة الأنظار بقوة لظاهرة مشينة شاهدنا إحدى حلقاتها مؤخرا..لا يستقيم أبدا أى حديث عن دين مع انفلات لفظى أخلاقى..لا يمكن أن تتحدث عن الإسلام وتدعى الدفاع عنه أو عن إحدى شعائره بينما لا تستطيع التحلى بأخلاق هذا الإسلام فى عباراتك وألفاظك..فالقرآن الكريم يقول واصفا النبى (ص)..وإنك لعلى خلقٍ عظيم.. من المفترض أن تهذب الأديان أخلاقنا وألسنتنا..نهى القرآن الكريم المسلمين حتى عن سب آلهة الوثنيين فى نص قرآنى صريح، بينما وصف المسيحيين بأنهم الأقرب للمسلمين..فلا يصح من منطلق إسلامى خالص أن ينزلق أحد المسلمين لهذه الهاوية الأخلاقية..
والمسيحية تدعو للسلام والتسامح شأنها شأن الإسلام..ولا يصح أن يقوم أحد المنتمين إليها أيضا بسب أو التطاول على أى شعيرة دينية تخص المسلمين..كلٌ من الإسلام والمسيحية بريئان تماما من هذا اللغو...من يخوض فيه لا يمثل الإسلام ولا المسيحية، وإنما يمثل تربيته الساقطة وتدينه المزيف..التدين الحقيقى هو عفة اللسان والتسامح، خاصة فيما يختص بالعقائد الدينية التى يعتنقها من نخالفهم فى المعتقد..
لقد حُسم أمر جماعة الإخوان ومن سار فى ركبها أو خرج من رحمها..وأخيرا اعترف أحد أساطينها بهذا الاعتراف المهم..أن أعضاء الجماعة يخوضون فى الأعراض بينما المسألة سياسية..هذا الاعتراف معناه أن كل ما نقوله طوال السنوات السابقة صواب..هذه جماعات سياسة تتاجر بالدين وهو منها برىء..وأعضاؤها لا يمثلون أخلاق الإسلام..
(7)
مصر دولة قوية راسخة..هذه حقيقة لا ينال منها هراءات الصفحات الموجهة..دولة ذات مؤسسات راسخة..استطاعت هذه المؤسسات بالفعل مواجهة أصعب السنوات التى مرت على هذه المنقطة طوال قرنٍ كامل..كانت الخطة تمزيق الدول وتشريد الشعوب وإغراق المنطقة فى فوضى لا تستفيق منها بعد عشرات السنوات..حتى الدول الثرية التى كانت بعيدة عن الصراع التقليدى فى المنطقة لم تسلم من هذا المخطط..بعد خمسة عشر عام من بدء المخطط فالنتيجة أن مصر قوية راسخة..
من يعتقد أن الأسعار أو الأزمات الاقتصادية – التى تعصف بكل دول العالم حتى الغنية المتقدمة – يمكنها أن تغير هذه الحقيقة فهو واهم. لا توجد دولة لم تتأثر اقتصاديا..
الإنصاف يقتضى أن نضع مصر عام 2011م فى ناحية ويقابلها مصر الآن..
وحتى تستقيم المقارنة..يجب أن نضع ثلاثين عاما هى حكم مبارك وأن نضع معها ما واجهته مصر..مقارنة بما واجهته مصر فى خمسة عشر عاما وما حققته منذ 2014.. 
الأسعار لا قيمة لها كمفردة للمقارنة إذا لم توضع فى نطاقها السليم..نطاقها السليم أن يتم إعلان كيف كانت دولة مبارك تثبت سعر العملة؟ هل كانت قيمة حقيقية للإنتاج أم أن كان ثمن تثبيت الأسعار والعملة هو أن يتجمد كل شىء فى مصر وأن تنفق الميزانية فقط من أجل هذا الهدف؟ قيمة العملة الحقيقية هى إن كانت تعبر عن ناتج محلى حقيقى..
حين يقوم معالى رئيس الوزراء بإعداد هذا التقرير الذى كلفه به الرئيس، فإننى أتمنى أن يضع فى حسبانه هذه الأفكار..حتى يكون الطرح منصفا للرجال الذين تحملوا مسؤلية مصر فى هذه السنوات الفاصلة..
فلتوضحوا للمصريين الحقائق..ليس فقط ما أنجزته مصر فى السنوات العشر الأخيرة وكم كلفت خزانة مصر، لكن أن يفهم المصريون بديهيات الاقتصاد..ما هو سعر العملة..حقيقة أسعار السلع أيام دولة مبارك..حقيقة ملف الكهرباء مثلا..والمسكوت عنه..كيف تساهلت دولة مبارك فى سرقة المال العام بصورة جماعية مقنّعة عن طريق نظام ضريبى فاسد..والسكوت عن الاقتصاد الموازى..والسكوت عن مظاهر اجتماعية مشينة..
فلتوضحوا للمصريين الفارق بين مفهوم الدولة وشبه الدولة الذى تحدث عنه فى يوم ما الرئيس السيسى..
        

ads

أخبار ذات صلة

0 تعليق