تثير مسألة التصالح في حوادث السيارات تساؤلات واسعة بين قائدي المركبات والمصابين وأسر الضحايا، خاصة مع الاعتقاد بأن التنازل عن المحضر أو الاتفاق الودي بين الطرفين يؤدي تلقائيًا إلى انتهاء جميع الإجراءات القانونية.
ويختلف أثر التصالح بحسب الوصف القانوني للواقعة والاتهامات الواردة في القضية؛ إذ قد يترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية عن الإصابة أو القتل الخطأ، بينما تستمر المحاكمة بشأن جرائم أخرى مستقلة لا يشملها الصلح.
متى يجوز التصالح في حوادث السيارات؟
يجيز قانون الإجراءات الجنائية إثبات الصلح في عدد من الجنح والمخالفات المحددة، ومن بينها القتل الخطأ المنصوص عليه في الفقرتين الأولى والثانية من المادة 238 من قانون العقوبات، والإصابة الخطأ الواردة في الفقرتين الأولى والثانية من المادة 244.
ويجوز للمصاب أو وكيله الخاص إثبات الصلح في جريمة الإصابة الخطأ، بينما يكون التصالح في حالة الوفاة من ورثة المجني عليه أو وكيلهم الخاص.
ويشمل ذلك الحوادث الناتجة عن الإهمال أو الرعونة أو عدم الاحتراز أو مخالفة القوانين واللوائح، وكذلك بعض الحالات المشددة الواردة في الفقرة الثانية من المادتين.
التصالح في حوادث الإصابة الخطأ
إذا تسبب قائد مركبة عن طريق الخطأ في إصابة شخص، يجوز إثبات التصالح أمام النيابة العامة أو المحكمة، بحسب المرحلة التي وصلت إليها القضية.
ويترتب على الصلح المستوفي للشروط القانونية انقضاء الدعوى الجنائية عن تهمة الإصابة الخطأ التي يشملها التصالح، حتى إذا كانت الدعوى قد أُقيمت عن طريق الادعاء المباشر.
ولا يكفي الاتفاق الشفهي أو تحرير ورقة عرفية بين السائق والمصاب لإنهاء القضية تلقائيًا، بل يجب إثبات الصلح رسميًا أمام الجهة المختصة.
هل يجوز التصالح في حوادث الوفاة؟
يجوز لورثة المتوفى أو وكيلهم الخاص إثبات الصلح مع المتهم في جريمة القتل الخطأ وفق الحالات التي حددها القانون.
ويمكن إثبات التصالح خلال التحقيقات أو أمام المحكمة، كما أجاز القانون إتمامه في أي مرحلة من مراحل الدعوى، حتى بعد صدور حكم نهائي.
وعند وقوع التصالح خلال تنفيذ العقوبة، تتخذ النيابة العامة الإجراءات القانونية المقررة لوقف تنفيذها بالنسبة إلى الجريمة التي انقضت بالصلح.
هل التصالح يلغي المحضر تلقائيًا؟
لا يؤدي مجرد تنازل المصاب في قسم الشرطة أو اتفاق الأطراف خارج النيابة إلى إلغاء المحضر بصورة آلية، لأن الجهة المختصة يجب أن تتحقق من شخصية من يملك الصلح وصفته وإرادته.
ويُثبت التصالح أمام النيابة إذا كانت القضية لا تزال في مرحلة التحقيق، أو أمام المحكمة إذا أُحيلت الدعوى إلى المحاكمة. وفي حالة وفاة المجني عليه، يجب أن يصدر الصلح ممن تثبت لهم صفة الورثة أو من وكيل خاص عنهم.
متى تستمر القضية رغم التصالح؟
قد تستمر الإجراءات إذا تضمن الحادث جرائم أو مخالفات مستقلة عن القتل أو الإصابة الخطأ، ومنها بحسب ظروف الواقعة:
- القيادة تحت تأثير مخدر أو مسكر.
- قيادة مركبة دون ترخيص أو برخصة غير سارية.
- استعمال لوحات غير قانونية.
- إتلاف ممتلكات لا يشملها اتفاق الصلح.
- الهروب من مكان الحادث أو الامتناع عن المساعدة متى شكّل ذلك اتهامًا مستقلًا.
- أي جريمة أخرى لم يسمح القانون بانقضائها بالتصالح.
وفي هذه الحالة ينصرف أثر الصلح إلى الاتهام الذي أجازه القانون فقط، بينما تواصل النيابة أو المحكمة نظر بقية الاتهامات.
هل ينهي التصالح الحق في التعويض؟
الأصل أن التصالح الجنائي لا يؤثر تلقائيًا في حقوق المضرور المدنية؛ لذلك قد تنقضي الدعوى الجنائية مع استمرار الحق في المطالبة بالتعويض.
لكن إذا تضمن اتفاق التصالح إقرارًا صريحًا باستلام التعويض والتنازل النهائي عن جميع الحقوق المدنية، فإن أثره يُحدد وفق عباراته ونطاق الحقوق التي تناولها.
ولهذا يجب توضيح ما إذا كان الاتفاق يتعلق بالشق الجنائي وحده، أم يشمل التعويضات والأضرار المادية والجسدية أيضًا.
ماذا يحدث بعد إثبات التصالح؟
إذا تم إثبات الصلح أمام النيابة قبل إحالة القضية، تصدر النيابة القرار القانوني المناسب بانقضاء الدعوى بالنسبة إلى الاتهام المشمول بالتصالح.
أما إذا كانت القضية منظورة أمام المحكمة، فتقضي المحكمة بانقضاء الدعوى الجنائية بالصلح. وإذا وقع الصلح بعد صيرورة الحكم نهائيًا، تُتخذ إجراءات وقف تنفيذ العقوبة وفقًا للقانون.
وتنظم المادة 18 مكرر «أ» من قانون الإجراءات الجنائية الساري حاليًا هذه الأحكام. كما أبقى قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، المقرر بدء العمل به في الأول من أكتوبر 2026، على جواز الصلح في القتل والإصابة الخطأ ضمن المادة 21.
أهمية تحديد الوصف القانوني للحادث
يظل الوصف القانوني للواقعة العامل الأساسي في تحديد مدى جواز التصالح، لأن الحادث الواحد قد ينتج عنه أكثر من اتهام، ولكل منها قواعد مختلفة.
ويُنصح بتوثيق التصالح أمام الجهة المختصة، وقراءة بنوده بعناية، وتحديد موقف التعويضات والحقوق المدنية، خصوصًا في القضايا التي تتضمن وفاة أو إصابات بالغة أو اتهامات إضافية.
















0 تعليق