الأنبا غريغوريوس يكشف أسرار وتاريخ "صوم العذراء": نُسك شعبي يتجاوز التصنيفات الكنسية

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يواصل الأقباط في مصر وبلاد المهجر، صوم السيدة العذراء مريم 2026 الذي يستمر 15 يومًا حتى 22 أغسطس، وسط إقامة قداسات يومية ونهضات روحية تتضمن الترانيم والمدائح. 

كما يوقد الأقباط الشموع أمام أيقونات العذراء في الكنائس والمنازل، فيما فتحت الأديرة أبوابها لاستقبال المشاركين في الصلوات والاحتفالات الروحية

ويجمع صوم العذراء آلاف الأسر في الأديرة عبر إقامة النهضات الروحية، والموالد الشعبية، ورحلات البركة.

الأنبا غريغوريوس يكشف أسرار وتاريخ "صوم العذراء": نُسك شعبي يتجاوز التصنيفات الكنسية

ومن جهته أكد مثلث الرحمات، المتنيح الأنبا غريغوريوس، أسقف عام للدراسات العليا اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي، أن صوم السيدة العذراء يحتل تقديرًا استثنائيًا ومكانة محبوبة للغاية في وجدان الكنيسة القبطية الأرثوذكسية؛ إذ يندر أن يُفطر فيه أحد من المسيحيين.

طبيعة الصوم ونُسكه الشعبي

أوضح في دراسة له: أن هذا الصوم يمتد لخمسة عشر يومًا، وتحديدًا في الفترة من 1 إلى 16 مسرى قبطيًا، وهو اليوم الذي تحيي فيه الكنيسة تذكار صعود جسد السيدة العذراء. وأشار إلى أن الصوم يحمل طبيعة نسكية خاصة؛ فرغم تصنيفه كنيسيًا ضمن أصوام الدرجة الثالثة أو الرابعة (الدرجة الثانية التي يُسمح فيها بتناول الأسماك)، إلا أن غالبية الشعب القبطي يمارسونه بزهد وتقشف شديدين بالامتناع عن الأسماك والزيوت والاكتفاء بالماء والملح وما يُعرف بـ «الشلولو» كأعلى درجات النسك، مع إطالة ساعات الانقطاع عن الطعام حتى الغروب أحيانًا.

جذور الصوم وأسبابه الإيمانية

وأشار أسقف البحث العلمي إلى تعدد الآراء والبدايات التاريخية لنشأة هذا الصوم؛ فمن جهة تُعد العذراء مريم نفسها أول من أسست منهج هذا الصوم والعبادة خلال فترة إقامتها في بيت يوحنا الرسول لمئة وأربع عشرة سنة (14 سنة) تقريبًا حتى نياحتها في عمر ناهز 58 سنة و8 أشهر و16 يومًا (نحو 60 سنة)، إذ واظبت عليه بعد صعود السيد المسيح تحملًا للمغرم والمضايقات، والتف حولها صبايا جبل الزيتون لتتشكل منهن أول جماعة للمتبتلات تحت مسمى «خورس العذارى» قبل ظهور نظام الرهبنة النسائية في القرن الرابع الميلادي على يد الأنبا باخوميوس.

ومن جهة أخرى، يرتبط الصوم بتقليد كنسي يتصل بالقديس توما الرسول الذي رأى الملائكة تحمل جسد العذراء أثناء عودته من الهند، ولما فتح باقي الرسل القبر الذي دفنت فيه بالجثسيماني بعد 3 أيام ولم يجدوا الجثمان، صاموا 15 يومًا متضرعين، فبرّ المسيح بوعده وأراهم صعود الجسد في 16 مسرى (علمًا بأن النياحة كانت في 21 طوبة والصعود الفعلي في 24 طوبة)، وهي المناسبة التي نظمها الرسل وآباء المجمع المسكوني الثالث بالقسطنطينية سنة 381 م إكرامًا لمنزلتها الروحية.

التطور التاريخي للصوم في المخطوطات

واستشهد الأنبا غريغوريوس بالتدرج التاريخي لتقنين هذا الصوم في مصر من واقع المخطوطات والكتب الكنسية القديمة؛ لافتًا إلى أن أول إشارة له جاءت في القرن العاشر الميلادي عند الأنبا ساويرس ابن المقفع في كتابه «مصباح العقل» كصوم يُقام ليوم واحد في 15 مسرى. ثم تطور الصوم في القرن الثاني عشر الميلادي، وتحديدًا سنة 1209 م، ليصبح ثلاثة أسابيع (من 1 إلى 21 مسرى، وفصحهم في 22 مسرى) وكان قاصرًا على العذارى والمتنسكات وفق ما ذكره الشيخ المؤتمن أبو المكارم سعد الله. 

وفي القرن الثالث عشر الميلادي (تحديدًا سنة 1260 م)، استقر الصوم عند أول مسرى للراهبات والمتنسكين حسب كتاب «المجموع الصفوي» لابن العسال، إلى أن تحول رسميًا في القرن الرابع عشر الميلادي (تحديدًا سنة 1324 م) إلى صوم شعبي عام يمارسه كافة المؤمنين كما أورده ابن كبر في كتابه «مصباح الظلمة وإيضاح الخدمة».

مدة الصوم بين الكنائس المسيحية

واختتم نيافته موضحًا أن إكرام العذراء يمتد لكافة الكنائس عالميًا مع تفاوت مدد الصوم؛ حيث تصومه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والروم الأرثوذكس لمدة 15 يومًا (من 1 إلى 16 مسرى / من 1 إلى 14 أغسطس)، بينما يقتصر عند السريان الأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس على 5 أيام، وعند الروم الكاثوليك على يومين (الجمعتين الواقعتين بين 1 و14 أغسطس)، ويوم واحد لدى الكلدان

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق