أرقام تكشف واقعاً مقلقاً.. ارتفاع حالات الانفصال في لبنان وانتشار "حفلات الطلاق" فما الأسباب؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
حين يبدأ الزواج بحلمٍ يجمع قلبين، لا أحد يتخيّل أن تنتهي الحكاية يوماً أمام أبواب المحاكم. لكن خلف الأبواب المغلقة، وفي بيوتٍ كانت يوماً تعجّ بالوعود والخطط والآمال، تتسلّل الخلافات شيئاً فشيئاً، حتى يصبح الانفصال هو النهاية.

في لبنان، لم يعد الطلاق مجرد قرار شخصي بين زوجين، بل ظاهرة اجتماعية تفتح الباب أمام الكثير من الأسئلة حول ما الذي تغيّر في الأسرة اللبنانية، ولماذا باتت علاقات كثيرة تصل إلى طريق مسدود؟ وبين ضغوط الحياة وتبدّل الأولويات وتراجع القدرة على تحمّل الخلافات، تبدو قصص الانفصال أكثر حضوراً، تاركة خلفها عائلات تعيد رسم حياتها من جديد.

Advertisement

فماذا تقول الأرقام عن واقع الطلاق في لبنان؟ ولماذا تتجه حالات الانفصال إلى الارتفاع؟

يشير الباحث والكاتب محمد شمس الدين، في حديث لـ"لبنان 24"، إلى أن الأرقام تُظهر تراجعاً في معدلات الزواج مقابل ارتفاع حالات الطلاق في لبنان خلال السنوات الأخيرة. 

ووفق المعطيات، بلغ متوسط حالات الزواج بين عامي 2015 و2020 نحو 35,520 حالة سنوياً، مقابل 7,412 حالة طلاق سنوياً. 

أما بين عامي 2021 و2025، فتراجع متوسط الزواج إلى 30,493 حالة سنوياً، في حين ارتفع متوسط الطلاق إلى نحو 8,000 حالة سنوياً، أي بتراجع في الزواج بنسبة 14.2 في المئة، مقابل ارتفاع الطلاق بنسبة 8.9 في المئة.

وفي قراءة لأسباب هذه الظاهرة، ترى الكاتبة المتخصصة في علم النفس منال بو كرّوم، في حديث لـ"لبنان 24"، أن الوصول إلى الطلاق يبدأ في كثير من الأحيان من مرحلة تسبق الزواج، وتحديداً من طريقة اختيار الشريك، التي تكون في بعض الأحيان خاطئة. وأكدت أن الاختيار يشكل أساساً في بناء الزواج، ولذلك يجب ألا يقوم على المظاهر والقشور أو الاعتبارات المادية والسطحية، بل على معرفة الشريك وفهم شخصيته وقدرته على بناء حياة مشتركة.


وأوضحت أن الانجذاب العاطفي والحب والغرام قد يشوشان أحياناً قرار الاختيار، خصوصاً عندما يكون الشخص تحت تأثير الهرمونات والدوبامين المرتبطين بالانجذاب، ما قد يجعله يرى الشريك والعلاقة بصورة غير واقعية، ويتخذ قرار الزواج من دون رؤية واضحة لطبيعة الحياة التي ينتقل إليها. وهذا ما سبق وأشارت إليه في كتابها "مساواة ولكن … أدوار مبعثرة وأسرة مغيّبة".

وشددت على أهمية وجود قدر كافٍ من النضج والوعي قبل اتخاذ قرار الزواج، إلى جانب فهم كل طرف للديناميكيات الأسرية التي نشأ فيها.

فالإنسان قد يحمل معه إلى حياته الزوجية أنماطاً وسلوكيات اكتسبها خلال طفولته، وإذا كانت هذه الديناميكيات غير سوية ولم يعمل على وعيها ومعالجتها، فقد يعيد إنتاجها داخل أسرته الجديدة. ولا يعني ذلك بالضرورة الحاجة إلى علاج نفسي، إذ يمكن أن تبدأ المعالجة بالوعي بهذه الأنماط والعمل على الذات وتغيير السلوكيات التي تؤثر سلباً في العلاقة.

توقعات غير واقعية وضغوط السوشيال ميديا
ولا تتوقف العوامل المؤثرة في العلاقة عند مرحلة الاختيار، إذ تشير بو كرّوم إلى أن التصورات والتوقعات التي يحملها الزوجان تجاه الزواج قد تتحول بدورها إلى مصدر للتوتر، خصوصاً مع التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة.

فالنماذج التي تُعرض عبر المنصات الرقمية غالباً ما تقدم صوراً انتقائية وغير واقعية عن حياة الآخرين، لكن مشاهدتها باستمرار قد تدفع البعض إلى اعتبارها نموذجاً للحياة التي ينبغي أن يعيشوها، فيحاولون تقليدها أو العيش بما يتجاوز قدراتهم وإمكاناتهم، ما يضع العلاقة الزوجية تحت ضغط إضافي.

ويضاف إلى ذلك، بحسب بو كرّوم، عدم وضوح الأدوار بين الزوجين واختلاطها، إذ إن غياب الاتفاق الواضح حول مسؤوليات كل طرف قد يؤدي إلى خلافات متكررة، خصوصاً عندما تتداخل هذه الأدوار مع أفكار وتصورات مختلفة حول طبيعة العلاقة الزوجية.

استنزاف يومي يفاقم الخلافات
كما يشكل نمط الحياة السريع والعمل لساعات طويلة عبئاً إضافياً على الزوجين، إذ يعود كل منهما في نهاية اليوم مستنزفاً جسدياً ونفسياً، ما يقلل قدرته على الاستماع إلى الطرف الآخر واستيعابه ومراعاته.

وفي هذا السياق، تتحدث بو كرّوم عن مفهوم "استنزاف قوة الإرادة" في العلاج الأسري، موضحة أن الإنسان عندما يكون مستنزفاً من العمل والمسؤوليات اليومية يصبح أقل قدرة على ضبط ردود فعله وكلامه، وقد تتحول الخلافات البسيطة إلى نقاشات حادة أو إلى أسلوب ساخر ومستفز "يصب الزيت على النار".

ومع تكرار هذه المواقف، تتراكم التفاصيل الصغيرة وتتحول إلى مشكلات أكبر، خصوصاً عندما يغيب الحوار الهادئ والقدرة على احتواء الخلافات، ما يدفع العلاقة تدريجياً نحو طريق مسدود.
ولا تقتصر هذه الضغوط على المرأة العاملة، إذ إن المرأة التي لا تعمل قد تواجه بدورها ضغوطاً مختلفة إذا لم تجد مساحة خاصة بها خارج المنزل أو متنفساً اجتماعياً ونفسياً. فغياب الحياة الاجتماعية والشعور بالانحصار داخل المنزل قد يؤديان إلى ضغط نفسي ينعكس على العلاقة الزوجية.

الأزمة الاقتصادية تضغط على الأدوار الزوجية
أما الظروف الاقتصادية، فتشكل عاملاً إضافياً في استنزاف الأسرة، ولا سيما بالنسبة إلى الرجل الذي قد يجد نفسه عاجزاً عن تأمين احتياجات عائلته.

وتوضح بو كرّوم أن هذا الواقع قد يولّد لدى الرجل شعوراً بالانتقاص من رجولته، خصوصاً إذا كان ينظر إلى دوره باعتباره المسؤول عن تأمين معيشة الأسرة، ما يضعه تحت ضغط نفسي ويقلل قدرته على التحمل، وقد ينعكس ذلك في صورة انفعال أو ردود فعل متهورة تزيد من حدة الخلافات داخل المنزل.

وفي المقابل، تتأثر المرأة أيضاً بهذه الظروف نتيجة الاستنزاف الذي يفرضه الوضع الاقتصادي وضغوط الحياة اليومية، ما يجعل التوازن في الأدوار بين الزوجين عاملاً أساسياً في استقرار العلاقة.

وتشير بو كرّوم إلى أن طريقة تعامل كل طرف مع الآخر، والاحترام والاحتواء والشعور بالتقدير، كلها عناصر تؤثر في طبيعة العلاقة واستمرارها، لافتة إلى أن اختلال هذه العناصر، إلى جانب الضغوط المادية والنفسية، قد يؤدي إلى مزيد من التوتر داخل الأسرة.
وبذلك، لا تأتي أسباب الطلاق منفردة، بل تتراكم مع الوقت؛ فالاختيار غير المناسب، وغياب النضج والوعي، والتوقعات غير الواقعية، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم وضوح الأدوار، إلى جانب الضغوط النفسية والاقتصادية والاستنزاف اليومي، قد تشكل مجتمعة سلسلة من الضغوط التي تضعف العلاقة وتحدّ من قدرة الزوجين على الاستمرار.

استسهال الطلاق وتحوله إلى خيار سريع
وفي ظل هذه التحولات، تشير بو كرّوم إلى ظاهرة أخرى بدأت تبرز في المجتمع، تتمثل في استسهال قرار الطلاق، بعدما تراجعت الوصمة الاجتماعية التي كانت مرتبطة به في السابق.

وتوضح أن تحول الطلاق إلى أمر أكثر شيوعاً وأقل إثارة للرفض الاجتماعي قد يدفع بعض الأشخاص إلى اللجوء إليه بسرعة واعتباره حلاً أولياً لمشكلات كان من الممكن محاولة معالجتها بطرق أخرى.

وتؤكد أن الطلاق قد يكون الحل المناسب في بعض الحالات، إلا أن اتخاذه، عندما تكون الظروف تسمح بذلك، يفترض المرور بمحاولات جدية لإصلاح العلاقة ومعالجة المشكلات القائمة قبل الوصول إلى قرار الانفصال. فالطلاق لا ينبغي أن يكون الخيار الأول، بل قراراً يأتي بعد استنفاد إمكانات الإصلاح، باستثناء الحالات التي يكون فيها استمرار العلاقة مؤذياً أو مستحيلاً.

"حفلات الطلاق" بين التفريغ النفسي والاستهانة بالانفصال

وفي هذا السياق، تحذر بو كرّوم من أن انتشار "حفلات الطلاق"  قد يساهم في تعزيز تطبيع الانفصال والتعامل معه بصورة احتفالية، معتبرة أن هناك فرقاً بين أن تلجأ المرأة بعد الطلاق إلى صديقاتها للتعبير عن مشاعرها والتفريغ النفسي وتجاوز المرحلة الصعبة، وبين تحويل الانفصال إلى مناسبة احتفالية تحت اسم "حفل طلاق". 

وترى أن الاحتفال بالطلاق باعتباره حدثاً عادياً قد يؤدي إلى تسخيف قرار كبير والاستهانة بحجمه وتداعياته النفسية والاجتماعية، فضلاً عن التقليل من قيمة الزواج ومكانته، باعتباره مؤسسة لها قدسيتها ومكانتها في مختلف الأديان.

وتزداد حساسية التعامل مع الطلاق باستخفاف عند وجود أطفال، لأن الانفصال لا يطال الزوجين فقط، بل ينعكس بشكل مباشر على الأبناء، وقد يترك آثاراً في حياتهم الحالية ونظرتهم المستقبلية إلى العلاقات والزواج.

لذلك، يبقى الطلاق، حتى عندما يكون الخيار الصحيح، تجربة تحمل الكثير من التداعيات النفسية والعاطفية والاجتماعية، ولا يمكن اختزالها في مناسبة احتفالية أو التعامل معها كقرار عابر.

وفي المقابل، تشدد بو كرّوم على أن رفض استسهال الطلاق لا يعني الدعوة إلى استمرار العلاقات مهما كانت الظروف، إذ قد يصبح الانفصال حلاً ضرورياً وجذرياً في حالات العنف الزوجي أو العلاقات غير السوية أو عندما يصبح استمرار الحياة المشتركة مستحيلاً.

إلا أن ذلك لا يلغي حقيقة أن الطلاق ليس قراراً سهلاً ولا تجربة خالية من الألم، بل يترك تداعياته على الزوجين والأطفال والمحيط العائلي، ما يستدعي التعامل معه بوعي ومسؤولية، بعيداً عن الاستسهال أو تحويل الانفصال إلى مناسبة للاحتفال.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق