في الشرق الأوسط، لا تعني لحظات الهدوء انتهاء الأزمات، بل غالبًا ما تمثل مرحلة لإعادة ترتيب موازين القوى وبناء أوراق تفاوض جديدة، ومن هذا المنطلق، تبدو الأزمة الإيرانية وكأنها انتقلت من ساحة المواجهة العسكرية إلى ميدان الحسابات السياسية، دون أن تغادر دائرة التهديد المتبادل.
بعد أسابيع من التصعيد، تراجع صوت السلاح نسبيًا، لكن ذلك لم يبدد أسباب التوتر،من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان، يسود هدوء حذر تحكمه معادلة دقيقة،لا أحد يرغب في حرب شاملة، وفي المقابل لا يبدو أي طرف مستعدًا للتراجع عن أوراق القوة التي يمتلكها، وهو ما يجعل المفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران المحطة الأكثر تأثيراو في تحديد مسار المرحلة المقبلة.
في هذا السياق، برز مضيق هرمز مجددًا باعتباره الورقة الأكثر حساسية في الاستراتيجية الإيرانية، بعدما أثبتت الأزمة الأخيرة أن مجرد التلويح بتعطيل الملاحة كفيل بإرباك الحسابات الأمريكية والإسرائيلية وإثارة قلق الأسواق العالمية، نظرًا للدور الحيوي الذي يؤديه المضيق في حركة تجارة الطاقة.
هذا القلق دفع بريطانيا وفرنسا إلى إعلان استعدادهما لتشكيل بعثة عسكرية متعددة الجنسيات لتأمين حرية الملاحة، في خطوة تعكس إدراكًا أوروبيًا بأن أي اضطراب في المضيق لن يقتصر تأثيره على المنطقة، بل سيمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
إلا أن طهران سارعت إلى رسم خطوطها الحمراء، معتبرة أن أي وجود عسكري أجنبي أو عمليات لتأمين الملاحة داخل المضيق تمثل مساسًا مباشرًا بأمنها القومي، فيما أكد نائب وزير الخارجية الإيراني أن بلاده هي الجهة المسؤولة عن أمن المضيق، في رسالة تعكس تمسكها بعدم السماح بانتزاع إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية.
وبذلك، يتحول هرمز من مجرد ممر مائي إلى أداة ضغط سياسية وعسكرية تستخدمها طهران لتعزيز موقعها التفاوضي، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم تجاوز الخط الذي قد يقود إلى مواجهة إقليمية واسعة.
وبالتوازي مع التصعيد المحسوب في هرمز، اختارت واشنطن إدارة المشهد عبر تكتيك سياسي لا يقل تعقيدًا عن التحركات العسكرية، قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق المحادثات لمدة أسبوع بالتزامن مع مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي لا يبدو انسحابًا من المسار التفاوضي، بقدر ما يعكس محاولة لإعادة ضبط إيقاع التفاوض وإبقاء الضغوط قائمة حتى موعد استئناف المحادثات.
كما أن تصريحات ترامب، التي جمع فيها بين التلويح باستخدام القوة والتأكيد على أهمية الإبقاء على شريك يمكن التفاوض معه، تكشف استمرار السياسة الأمريكية القائمة على المزج بين الردع العسكري والضغط الاقتصادي والانفتاح المشروط على الحلول الدبلوماسية، بما يمنح واشنطن أكبر قدر ممكن من النفوذ على طاولة التفاوض.
وفي المقابل، تبدو إيران أكثر ميلًا إلى استثمار فترة التهدئة لتعزيز موقعها قبل العودة إلى المفاوضات، الجيش الإيراني أعلن صراحة أن وقف إطلاق النار يمثل فرصة لرفع مستوى الجاهزية العسكرية، مؤكدًا الاستعداد للرد بقوة على أي تصعيد محتمل، في رسالة تستهدف الحفاظ على قوة الردع وعدم إظهار أي تراجع في الموقف العسكري.
وبالتزامن مع ذلك، تواصل طهران، بالتنسيق مع موسكو، البحث عن بدائل اقتصادية تقلل من تأثير العقوبات الغربية، من خلال توسيع استخدام العملات المشفرة وآليات التبادل المالي خارج المنظومة التقليدية، بما يعكس استعدادًا لمواجهة ضغوط قد تطول.
وتكشف هذه التحركات المتوازية أن الأطراف المعنية لا تتنافس اليوم على خوض حرب جديدة، بقدر ما تتنافس على تحسين شروط التفاوض، الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على أدوات الضغط العسكرية والاقتصادية لدفع إيران نحو تقديم تنازلات، بينما تعمل طهران على تعزيز أوراقها الاستراتيجية، سواء عبر موقعها الجغرافي أو قدراتها العسكرية أو محاولاتها تقليص أثر العقوبات.
أما أوروبا، فتتحرك انطلاقًا من هاجس حماية الملاحة الدولية ومنع اندلاع أزمة جديدة قد تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية.
ومع اقتراب انتهاء فترة تعليق المحادثات، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الجولة المقبلة ستفتح الباب أمام تفاهمات جديدة أم ستعيد إنتاج دورة التصعيد المعتادة،الخبرة المتراكمة في العلاقة بين واشنطن وطهران تشير إلى أن المفاوضات كثيرًا ما تتقدم تحت ضغط الأزمات، وأن التصعيد لا يكون دائمًا مقدمة للحرب، بل قد يتحول إلى وسيلة لتحسين شروط التسوية.
وعليه، تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى اختبار لإرادة الطرفين في تحويل ميزان الردع إلى فرصة للحوار، بدلًا من أن يصبح مقدمة لمواجهة جديدة، في وقت يراقب فيه العالم عن كثب ما إذا كانت كلفة السلام ستكون أقل من فاتورة حرب لا تزال احتمالاتها قائمة

















0 تعليق