مخاوف من فقاعة الذكاء الاصطناعي مع تشديد نقدي وضغوط الأسواق الأمريكية

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

منذ عدة أشهر، يتزايد الحديث عن أن الحماس الكبير تجاه أسهم الذكاء الاصطناعي لا ينفصل عن السياسات النقدية والمالية شديدة التيسير في الولايات المتحدة. إذ أقدم مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال النصف الثاني من العام الماضي على خفض أسعار الفائدة رغم استمرار قوة الاقتصاد واقترابه من نهاية الدورة الاقتصادية، بالتزامن مع ضخ سيولة عبر شراء السندات خلال العام الجاري، وهو ما أثار انتقادات من أنصار السياسات النقدية التقليدية، حتى وإن تجنب البعض وصفه بالتيسير الكمي الصريح.

ويرى عدد من المستثمرين أن ما يحدث في سوق الذكاء الاصطناعي يحمل أوجه تشابه مع فقاعة الإنترنت عام 1999، من حيث المبالغة في التقييمات، وتضخم ملكيات المستثمرين، وتراكم الديون، وحرق التدفقات النقدية، وهو ما يذكّر بسلوك شركات التكنولوجيا في أواخر فقاعة الدوت كوم.

لكن عودة الضغوط التضخمية دفعت الفيدرالي إلى تشديد سياسته مجددًا، حيث أعادت الأسواق تسعير توقعاتها لأسعار الفائدة الأمريكية بسرعة، بما يعادل تشديدًا نقديًا قد يصل إلى 100 نقطة أساس بحلول ديسمبر، مع احتمالات بزيادات إضافية، بحسب تحليل لصحيفة "تليجراف" البريطانية.

وفي الوقت نفسه، بدأت هذه التحولات تصطدم بإرهاق واضح لدى مستثمري قطاع الذكاء الاصطناعي، خاصة مع تضاعف الإنفاق الرأسمالي لشركات الحوسبة السحابية العملاقة ليبلغ نحو 800 مليار دولار هذا العام، دون أن يوازيه نمو مماثل في الإيرادات حتى الآن.

وقال جيم كوفيلو، رئيس قسم الأسهم العالمية في "جولدمان ساكس"، إن "الهدف في النهاية هو تحقيق الأرباح، لكننا خلال العامين الماضيين ابتعدنا عن ذلك بدلًا من الاقتراب منه"، مشيرًا إلى أن معظم العوائد ذهبت إلى شركات أشباه الموصلات ووحدات معالجة الرسوميات، التي وصفها بـ"أدوات السباق" في طفرة الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن هذا قد يشكل خطرًا أكبر من القطاع نفسه.

وأضاف أن نمط هذه الدورة يختلف عن السابق، إذ تحقق شركات الرقائق نموها على حساب عملائها في المراحل الأعلى من سلسلة القيمة، محذرًا من أن هذه المعادلة لا يمكن أن تستمر طويلًا مع اتساع الخسائر في تلك المراحل.

وتشير البيانات إلى أن التصحيح في أسهم الذكاء الاصطناعي ربما يكون قد بدأ بالفعل، حيث تراجع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات بنسبة 6.3%، كما هبط مؤشر "كوسبي" الكوري الجنوبي بنحو 8%، بينما خسرت شركة "إس كيه هاينكس" نحو 15% من قيمتها السوقية.

كما أثار إعلان كوريا الجنوبية عن خطة استثمارية ضخمة بقيمة 1.2 تريليون دولار في قطاع الرقائق والذكاء الاصطناعي تساؤلات حول بلوغ السوق مرحلة من الإفراط في التفاؤل.

وزادت حالة القلق بعد تحذيرات شركة "أوراكل" من مخاطر متعددة تشمل الإفراط في بناء مراكز البيانات، وضعف استغلال القدرات، ونقص الطاقة والمياه، وتأخر التراخيص، ومخاطر الائتمان، إضافة إلى تعثر بعض العملاء.

وكشف التقرير السنوي للشركة عن مخاوف تتعلق بتعاقد بعض العملاء المثقلين بالديون على قدرات حوسبة تفوق قدرتهم على السداد، وهو ما قد يعرض الشركة لمخاطر عدم الدفع.

وعلقت محللة الأسواق إيبيك أوزكارديسكايا من "سويس كوت" قائلة إن بعض الشركات ربما "تطلب أكثر مما تستطيع استهلاكه"، محذرة من احتمال تكرار سيناريوهات فشل شركات تقنية سابقة.

كما لفتت إلى إعلان "ميتا" بيع جزء من فائض قدراتها الحاسوبية لاسترداد استثماراتها الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، معتبرة ذلك إشارة مقلقة أكثر من كونه نجاحًا.

ورغم التراجع الأخير، لا تزال شركات الرقائق الكبرى، مثل "إنفيديا" و"TSMC" و"برودكوم" و"سامسونج إلكترونيكس" و"إس كيه هاينكس" و"مايكرون" و"AMD"، تستحوذ على القيمة الأكبر من موجة الذكاء الاصطناعي، بقيمة سوقية إجمالية تقارب 12 تريليون دولار.

وتبقى "إنفيديا" في موقع الهيمنة بفضل سيطرتها على سوق معالجات الذكاء الاصطناعي عالية الأداء، حيث تواصل بيع وحدات معالجة الرسوميات بأسعار مرتفعة وهوامش ربح تتجاوز 70%.

لكن التقرير يحذر من مخاطر جيوسياسية محتملة، من بينها احتمال لجوء الصين إلى خطوات مضادة في حرب الرقائق، بما في ذلك تقييد صادرات تايوان، التي تمثل مركزًا رئيسيًا لإنتاج الشرائح المتقدمة.

كما يشير إلى أن التوسع في إنتاج الرقائق يواجه اختناقات حقيقية، سواء في الطاقة أو البنية التحتية أو قدرات التصنيع داخل الولايات المتحدة، التي لا تزال غير قادرة على إتمام بعض مراحل الإنتاج محليًا.

وفي المقابل، بدأت شركات صينية ناشئة في تقديم نماذج ذكاء اصطناعي بتكاليف أقل بكثير، ما يعزز احتمالات تحول التكنولوجيا إلى سلعة منخفضة التكلفة قبل أن تحقق الشركات الأمريكية عوائد مستدامة.

ويخلص التقرير إلى أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد تشبه في جوانبها دورات اقتصادية تاريخية سابقة، مثل طفرة السكك الحديدية في القرن التاسع عشر وفقاعات الأسواق التقنية، التي انتهت بتصحيحات حادة بعد موجات استثمار مفرطة.

كما يشير إلى أن التشديد النقدي في مطلع الألفية، بقيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك، كان أحد العوامل التي ساهمت في انفجار فقاعة الإنترنت بعد سلسلة من زيادات أسعار الفائدة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق