كثيرة هي الكتب والدراسات التي تناولت سيرة نجيب محفوظ في اكثر من منحى، منها ما هو متعلق بالسياسة وأخرى متعلق بالفلسفة والدين وصولا الى الحوليات، لكن يبدو أن كتاب عمرو فتحي هو الوحيد الذي انشغل بتجربة محفوظ وآرائه الذي جاء بعنوان “نجيب محفوظ عن الكتابة” والصادر عن دار الكرمة، حيث يتناول بالتفصيل رؤية نجيب محفوظ للكتابة كيف لعبت القراءة دور في تشكيل وعي.
يكشف الكتاب أن الكتابة عند نجيب محفوظ لم تكن مجرد موهبة أو لحظة إلهام عابرة، بل مشروعًا يقوم على الثقافة الواسعة والانضباط والبحث والعمل اليومي، وهو ما يتجلى في آرائه حول مصادر الإبداع، وعلاقته بالإلهام، وكيفية بناء الشخصيات والروايات.

القرآن الكريم.. البذرة الأولى لفن السرد
يرى محفوظ أن أول ما شكل وعيه بفن القصة كان القصص القرآني، الذي قرأه منذ طفولته باعتباره نموذجًا رفيعًا للسرد.
ويؤكد أن القصص في القرآن سبق الرواية الحديثة في بنائها الفني، إذ لا يعتمد التسلسل الزمني التقليدي للأحداث، وإنما يتحرك وفق مقتضيات الدراما، وهو ما رآه قريبًا من تقنيات الرواية في القرن العشرين.
ويشير إلى أن تكوينه الثقافي لم يتوقف عند التراث العربي والإسلامي، بل امتد إلى «ألف ليلة وليلة» والسير الشعبية، ثم انفتح على الأدب الغربي، لتتشكل تجربته من تفاعل هذه الروافد جميعًا مع خبرته الإنسانية.
الجامعة.. الأساس المتين للمبدع
يرفض محفوظ فكرة الفنان الذي يعتمد على الموهبة وحدها، مؤكدًا أن دراسته الجامعية منحته المنهج العلمي والثقافة المنظمة، وفتحت أمامه أبواب البحث والمعرفة.
ويقول إنه من المؤمنين بالدراسة الأكاديمية، لأنها تضع الأساس الذي يبني عليه الكاتب جهده الشخصي لاحقًا.
الكتابة ابنة الحياة
تكشف شهادات محفوظ أن معظم قصصه ولدت من انفعال نفسي وفكري تجاه ما يحيط به من أحداث. فالأخبار، والواقع اليومي، وحياة الناس، كانت دائمًا مصدرًا للأفكار، ولذلك كان يحرص على ألا ينعزل عن المجتمع، بل يعيش بين الناس ليفهم واقعهم ويعبر عنه في أعماله.
لا يؤمن بدلال الإلهام
ورغم حديثه عن الإلهام، فإن محفوظ يرفض أن يكون الكاتب أسيرًا له، فبمجرد أن تنضج الفكرة يبدأ العمل الحقيقي، القائم على الإرادة والانضباط، ويقول إنه كان يجلس إلى مكتبه يوميًا ساعة أو ساعتين، ويواصل الكتابة بهذه المثابرة حتى ينجز الرواية، ولو استغرق ذلك عامًا أو عامين.
البحث قبل الرواية
ويكشف محفوظ أن القصص القصيرة كانت تأتيه بصورة أكثر عفوية، بينما كانت الروايات الكبرى تحتاج إلى إعداد طويل. فعند كتابة «الثلاثية» مثلًا أجرى بحثًا واسعًا، وأعد ملفًا خاصًا لكل شخصية حتى يحافظ على تماسك البناء الروائي، مؤكدًا أن التخطيط الدقيق ضرورة في الأعمال الكبيرة.
كما يوضح أن الفكرة قد تسبق الرواية أحيانًا، فيبتكر الشخصيات القادرة على تجسيدها، بينما في أحيان أخرى يبدأ من الشخصيات نفسها، لتتكشف الفكرة تدريجيًا أثناء الكتابة.
ويختتم محفوظ حديثه عن تجربته بالتأكيد على أن الكتابة تمر بمرحلتين؛ الأولى يكتب فيها النص بصورة شبه عفوية بعد أن تكون الفكرة قد اختمرت داخله، ثم يعود إلى النص مرة أخرى بالمراجعة والتنقيح، مؤمنًا بأن الصياغة المتأنية جزء لا يتجزأ من العملية الإبداعية.
ومن خلال هذه الشهادات، يرسم كتاب «نجيب محفوظ عن الكتابة» للكاتب عمرو فتحي صورة واضحة لفلسفة محفوظ الإبداعية؛ فلسفة تجمع بين الثقافة العميقة، والانفتاح على الحياة، والبحث المنظم، والانضباط اليومي، لتؤكد أن الرواية العظيمة لا تُولد من الإلهام وحده، بل من العمل الدؤوب والوعي الفني المتراكم.

















0 تعليق