عندما يُذكر مصطلح "الإدمان"، يتجه التفكير فورًا إلى المخدرات والكحول. لكن العالم تغيّر. فهناك جيل جديد من الإدمانات لا يعتمد على مادة كيميائية تدخل الجسم، وإنما على سلوك يتكرر بصورة قهرية حتى يسيطر على حياة الإنسان.
إدمان المقامرة الإلكترونية، والاستخدام الإشكالي للإباحية، وبعض أنماط الاستخدام القهري للألعاب أو الإنترنت، جميعها أصبحت موضوعًا متزايد الأهمية في البحث العلمي خلال العقدين الأخيرين. فقد أدرجت منظمة الصحة العالمية اضطراب الألعاب الإلكترونية (Gaming Disorder) ضمن التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، وهو ما يعكس الاعتراف الرسمي بخطورة هذه الأنماط السلوكية عندما تتحول إلى سلوك قهري يؤثر على الأداء اليومي.
تشير العديد من الدراسات إلى أن هذه الإدمانات ترتبط بآليات المكافأة في الدماغ، خاصة نظام الدوبامين، وهو نفس النظام الذي يتأثر في حالات الإدمان على المواد المخدرة. فقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة Nature Reviews Neuroscience أن السلوكيات القهرية مثل المقامرة أو الألعاب الإلكترونية يمكن أن تُحدث تغييرات في دوائر المكافأة مشابهة لتلك الناتجة عن تعاطي المخدرات. كما أوضحت دراسة أخرى في JAMA Psychiatry أن الاستخدام المفرط للإنترنت يرتبط بزيادة معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم.
وفي السياق العربي، بدأت بعض الدراسات الإقليمية في رصد هذه الظاهرة، حيث أشارت أبحاث أجريت على طلاب الجامعات في مصر ودول الشرق الأوسط إلى ارتفاع نسب الاستخدام الإشكالي للإنترنت، مع ارتباط واضح بانخفاض التحصيل الدراسي وزيادة العزلة الاجتماعية. كما أظهرت دراسة منشورة في Addictive Behaviors Reports أن الاستخدام القهري للهواتف الذكية يرتبط بضعف التحكم في الانفعالات وزيادة مستويات التوتر.
ولا تقتصر التأثيرات على الجانب النفسي فقط، بل تمتد إلى العلاقات الأسرية والاجتماعية، حيث يؤدي الانغماس في هذه السلوكيات إلى تراجع التفاعل الواقعي، وزيادة النزاعات داخل الأسرة، وفقدان الاهتمام بالأنشطة اليومية. كما أن بعض هذه الأنماط، مثل المقامرة الإلكترونية، قد تؤدي إلى خسائر مالية كبيرة، مما يزيد من الضغوط النفسية والاجتماعية.
وفي الوقت الذي تطورت فيه خدمات علاج الإدمان المرتبط بالمواد المخدرة، يبرز سؤال يستحق النقاش: هل نحن مستعدون للتعامل مع الإدمانات السلوكية؟
الإجابة تتطلب رؤية شاملة لا تقتصر على إنشاء كيانات جديدة، بل تعتمد على تطوير الخدمات القائمة، ودمج تقييم الإدمانات السلوكية ضمن الممارسات الإكلينيكية اليومية. كما يتطلب الأمر تدريب الكوادر الطبية والنفسية على التعرف المبكر على هذه الحالات، واستخدام أدوات تقييم معتمدة، مثل مقاييس إدمان الإنترنت أو اضطراب الألعاب.
وتشير الأدلة العلمية إلى أن العلاج المعرفي السلوكي (CBT) يُعد من أكثر الأساليب فعالية في التعامل مع هذه الحالات، حيث يساعد المرضى على فهم أنماط التفكير والسلوك المرتبطة بالإدمان، وتطوير استراتيجيات للتحكم في الدوافع. كما أن التدخلات الأسرية تلعب دورًا مهمًا، خاصة لدى المراهقين، في إعادة بناء التوازن بين الحياة الرقمية والحياة الواقعية.
إن تجاهل هذه الظاهرة لن يمنعها من التوسع، خاصة مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية، ومنصات المقامرة عبر الإنترنت، وسهولة الوصول إلى المحتوى الرقمي. وتشير تقارير الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن نسبة استخدام الإنترنت في المنطقة العربية في تزايد مستمر، مما يعني أن التعرض لهذه المخاطر سيزداد مع الوقت.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع مفهوم الوقاية والعلاج ليشمل الإدمانات السلوكية إلى جانب الإدمانات التقليدية، من خلال حملات توعية مجتمعية، وإدماج التثقيف الرقمي في المناهج التعليمية، وتعزيز دور الأسرة في المتابعة والتوجيه. فالتحدي لم يعد فقط في مواجهة المواد المخدرة، بل في فهم أنماط جديدة من الإدمان تتسلل بهدوء إلى حياتنا اليومية، وتحتاج إلى استجابة علمية ومجتمعية متكاملة.















0 تعليق