الأربعاء 24/يونيو/2026 - 10:29 ص 6/24/2026 10:29:33 AM
منذ سنوات جمعتني مصادفة جميلة بالشاعر السوري الكبير نوري الجراح في مقهى ريش. قرأ علينا بعضا من شعره، ثم التفت إلي طالبا أن أقرأ له قصيدة بالعامية. لا أنكر أنني كنت متوترا. كان ينصت بتركيز شديد، كما لو كان يراقب تجربة شعرية عن قرب، بينما كنت أشعر كأني تلميذ في امتحان غير متوقع.
بعد أن انتهيت قال جملة ما زلت أذكرها حتى اليوم: "هذه حقا قصيدة نثرية".
أتذكر هذه الواقعة كلما عاد الحديث عن قصيدة النثر بالعامية، لأن السؤال بالنسبة لي لم يكن يوما متعلقا بالاسم أو التصنيف، بل بالمنطلقات الجمالية نفسها.
فإذا كانت قصيدة النثر العربية قد جاءت في أحد وجوهها كرد فعل على أنماط شعرية سابقة، وسعت إلى الاقتراب من اليومي والعادي، والتخفف من الزخارف البلاغية ومن طنين الموسيقى الموروثة، مع طرح محتوى جديد ورؤية مختلفة للعالم، فإن السؤال الذي يراودني هو: هل تنسحب هذه المبررات نفسها على قصيدة النثر بالعامية؟
في تقديري الأمر أكثر تعقيدا.
العامية لم تكن يوما لغة رسمية متعالية تحتاج إلى النزول من برجها العاجي. هي منذ البداية لغة الحياة اليومية، لغة الشارع والبيت والمقهى والحب والغضب والسخرية. لغة خلعت الكثير من الثياب البلاغية الثقيلة قبل أن تصل إلى الشعر. بل يمكن القول إنها لغة عارية بطبيعتها، جارحة أحيانا، حميمة ومباشرة في معظم الأحيان.
لهذا يبدو لي أن قصيدة النثر بالفصحى كانت، في جانب منها، تحاول الاقتراب من خصائص موجودة أصلا في العامية. ولذلك يصعب علي أن أتعامل مع انتقال العامية إلى النثر باعتباره مجرد تكرار للتجربة نفسها التي عرفتها الفصحى.
هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: ما الإضافة الجمالية التي يقدمها نثر العامية؟ وما المفارقة التي يحققها داخل لغة هي في جوهرها أقرب إلى النثر منها إلى الفصاحة التقليدية؟
لا أطرح هذه الأسئلة اعتراضا على الشكل، ولا دفاعا عن الأشكال القديمة، وإنما بحثا عن منطلقاته الخاصة. فكل تجربة فنية تحتاج إلى مبرراتها الجمالية النابعة من طبيعتها، لا إلى استعارة مبررات تجربة أخرى.
لكن ما يشغلني أكثر من كل ذلك هو ما أسميه المفارقة الشاسعة: المفارقة بين التنظير والنص.
كثيرا ما أقرأ بيانات ومقالات تنظيرية تتحدث عن قصيدة النثر بالعامية، ثم أعود إلى النصوص فأجد أن ما يحدث داخل القصيدة شيء مختلف تماما. كأن التنظير يسير في واد، والنصوص في واد آخر. وكأن بعض النصوص الجيدة تحقق شعريتها رغم التنظير لا بفضله.
لهذا أظن أن النقاش الحقيقي لا يبدأ من التعريفات، بل من النصوص نفسها. من تلك اللحظة الغامضة التي تجعل شاعرا مثل نوري الجراح يستمع إلى قصيدة عامية ثم يقول ببساطة: "هذه حقا قصيدة نثرية".
فربما كانت القصيدة في النهاية أذكى من كل النظريات التي تكتب عنها.



















0 تعليق