فى وقت كانت الأنظار تتجه إلى سويسرا لمتابعة جولة جديدة من المحادثات الأمريكية الإيرانية، جاء الإعلان المفاجئ عن تأجيل اللقاء المرتقب بين الجانبين ليطرح تساؤلات واسعة حول حقيقة الأسباب الكامنة وراء هذا القرار.
وبينما تحدث البيت الأبيض عن «أسباب لوجستية»، تشير التطورات المتسارعة فى لبنان إلى أن المشهد الإقليمى المعقد قد يكون العامل الأكثر تأثيرًا فى تعطيل مسار التفاوض، خاصة فى ظل تصاعد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، وتزايد المخاوف من انهيار ترتيبات التهدئة التى رافقت مذكرة التفاهم الأخيرة بين واشنطن وطهران.
وأعلن البيت الأبيض عن أن نائب الرئيس الأمريكى جيه دى فانس قرر تأجيل زيارته التى كانت مقررة إلى سويسرا للمشاركة فى المحادثات الأمريكية الإيرانية، وهو ما أثار العديد من التكهنات بشأن مستقبل المفاوضات بين البلدين. ورغم إصرار الإدارة الأمريكية على أن القرار جاء لأسباب تنظيمية ولوجستية، فإن تقارير إعلامية، من بينها ما نشره موقع «أكسيوس»، ربطت بين التأجيل وحالة عدم الاستقرار المتزايدة على الجبهة اللبنانية.
ويأتى هذا التطور بعد أيام من توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، بوساطة ورعاية مباشرة من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب والرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان، بهدف إنهاء المواجهة العسكرية التى استمرت 112 يومًا بين البلدين.
وشهدت الساعات الأخيرة خطوات عملية لتنفيذ الاتفاق، من بينها رفع الحصار البحرى الأمريكى وعودة تدفق النفط عبر الممرات الاستراتيجية، فى مؤشر على رغبة الطرفين فى تثبيت مسار التهدئة ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.
وفى هذا السياق، أكد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أن المفاوضات مع إيران جاءت لمنع تحول الحرب إلى أزمة اقتصادية عالمية، معتبرًا أن مذكرة التفاهم قد تمثل استسلامًا غير مشروط من جانب طهران بعد ما وصفه بـ«الهزيمة العسكرية الإيرانية».
كما أعرب عن توقعه التوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار على مختلف الجبهات، بما فى ذلك الجبهة اللبنانية بين حزب الله وإسرائيل.
غير أن الوقائع الميدانية بدت بعيدة عن هذه التوقعات. بعد أيام قليلة من توقيع مذكرة التفاهم، عادت الساحة اللبنانية إلى الاشتعال مجددًا مع تجدد الغارات الإسرائيلية المكثفة على مناطق الجنوب، بالتزامن مع إعلان حزب الله عن تنفيذ عمليات وكمائن ضد القوات الإسرائيلية فى محيط تلة على الطاهر ومناطق أخرى جنوب البلاد.
ويعكس هذا التصعيد حجم التحديات التى تواجه أى محاولة لترجمة الاتفاق الأمريكى الإيرانى إلى استقرار إقليمى شامل، إذ ترى إسرائيل أن التفاهم بين واشنطن وطهران قد يحد من هامش تحركها العسكرى والسياسى فى المنطقة، فيما تعتبره دوائر إسرائيلية خسارة استراتيجية قد تعزز النفوذ الإيرانى، وتمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية.
وتعزز التصريحات المتبادلة بين الأطراف المختلفة هذه المخاوف. فقد شدد نائب الرئيس الأمريكى جيه دى فانس على أن الولايات المتحدة لن تقدم أى دعم مالى لإيران، ولن ترفع العقوبات المفروضة عليها ما لم تحدث تغييرًا جذريًا فى سلوكها الإقليمى.
وفى المقابل، أبدت القيادة الإيرانية حذرًا واضحًا تجاه الاتفاق، إذ أكد المرشد الإيرانى مجتبى خامنئى أنه وافق على مذكرة التفاهم بعد حصوله على ضمانات من الرئيس بزشكيان بشأن حماية حقوق الشعب الإيرانى ودعم ما وصفه بـجبهة المقاومة، مشددًا على أن أى مفاوضات مستقبلية لا تعنى قبول طهران بشروط خصومها.
وفى لبنان، تتباين المواقف بين التهدئة والتصعيد. فقد أكد رئيس مجلس النواب اللبنانى نبيه برى التزام حزب الله بوقف إطلاق النار طالما التزمت إسرائيل به بشكل كامل، بينما أعلن الحزب عن تصديه لمحاولات تقدم إسرائيلية فى محيط بلدتى أرنون وكفرتبنيت.
وفى المقابل، تمسك رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بموقفه الرافض للانسحاب من جنوب لبنان، معتبرًا أن متطلبات الأمن الإسرائيلى تفرض استمرار الوجود العسكرى فى المنطقة الحدودية، فيما هدد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بتوسيع العمليات العسكرية ضد حزب الله فور وقوع أى استهداف للقوات الإسرائيلية.
وعلى الجانب الإيرانى، حملت تصريحات رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف رسائل واضحة مفادها أن طهران تنظر إلى الاتفاق باعتباره إطارًا مشروطًا وليس تسوية نهائية، مؤكدًا أن أى خرق للاتفاق أو محاولة لفرض مطالب إضافية سيقابل برد قوى، وأن تنفيذ بنود التفاهم يتم وفق توجيهات مباشرة من القيادة الإيرانية.
تكشف التطورات الأخيرة عن أن تأجيل المحادثات الأمريكية الإيرانية لا يرتبط فقط بترتيبات فنية أو لوجستية، بل يعكس تعقيدات المشهد الإقليمى وتشابك الملفات بين واشنطن وطهران وتل أبيب.
بينما تسعى الإدارة الأمريكية إلى تثبيت اتفاق يضمن تهدئة شاملة ويحمى الاقتصاد العالمى من تداعيات الصراع، تبدو إسرائيل أكثر الأطراف قلقًا من نجاح هذا المسار، نظرًا لما قد يترتب عليه من تراجع الضغوط العسكرية والسياسية على إيران.
ومن هنا، تبرز الجبهة اللبنانية باعتبارها الحلقة الأكثر هشاشة فى معادلة التهدئة. فأى تصعيد واسع بين إسرائيل وحزب الله قد ينسف التفاهم الأمريكى الإيرانى قبل دخوله مرحلة التنفيذ الكامل، وهو ما يفسر الحذر الأمريكى فى المضى سريعًا نحو جولات تفاوض جديدة قبل اتضاح اتجاهات الميدان.
وفى ضوء ذلك، تبدو الأسابيع الستة المقبلة، وهى مدة الترتيبات المؤقتة المنصوص عليها فى مذكرة التفاهم، حاسمة فى تحديد مستقبل الاتفاق. فإما أن تنجح الأطراف فى احتواء التوترات الإقليمية وتحويل التفاهم إلى مسار سياسى مستدام، أو أن تتحول الجبهة اللبنانية إلى ساحة لإفشال الاتفاق وإعادة المنطقة إلى دائرة المواجهة المفتوحة، بما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية على أمن الشرق الأوسط والاقتصاد العالمى.







0 تعليق