لمبة الليد.. القاتل الجديد على الطرق

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الجمعة 19/يونيو/2026 - 02:35 م 6/19/2026 2:35:33 PM

لم يعد الخطر على الطرق المصرية مقتصرًا على السرعة الجنونية أو تجاوز الإشارات أو القيادة المتهورة، هناك قاتل جديد يتسلل إلينا كل ليلة، يختبئ داخل كشافات السيارات والدراجات النارية، ويتحرك بحرية كاملة بين الشوارع والطرق السريعة، دون رقيب أو حساب. إنه جنون لمبات «الليد» و«الزينون» التى تحولت فى أيدى البعض من وسيلة للإضاءة إلى سلاح بصرى يعرض أرواح الناس للخطر.
من يقود سيارة ليلًا يعرف جيدًا ذلك الشعور المزعج، بل المرعب أحيانًا، عندما تظهر أمامه مركبة بكشافات شديدة السطوع، فتتحول الطريق فى لحظة إلى بقعة بيضاء عمياء، لا يرى السائق شيئًا سوى وهج حارق يضرب عينيه مباشرة، ثم تظل الصورة معلقة فى شبكية العين لثوانٍ طويلة بعد مرور السيارة، وكأن أحدهم أطلق فلاشًا هائلًا فى وجهه، قد تبدو ثوانى قليلة، لكنها على الطريق قد تعنى حياة أو موتًا.
فى تلك اللحظات قد يختفى أمام السائق طفل يعبر الطريق، أو دراجة هوائية، أو حفرة، أو سيارة متوقفة، أو شخص يهم بعبور الشارع، هنا لا يعود الأمر مجرد إزعاج أو سوء ذوق، بل يتحول إلى تهديد مباشر للسلامة العامة.
المشكلة ليست فى التكنولوجيا ذاتها، فلكل تطور استخداماته المفيدة حين يطبق وفق المواصفات والمعايير الفنية المعتمدة، لكن الأزمة الحقيقية تكمن فى ثقافة الاستعراض والاستهتار التى دفعت بعض السائقين إلى تركيب لمبات تفوق قدرة الكشافات الأصلية، دون أى مراعاة لزوايا الإضاءة أو ارتفاعها أو تأثيرها على الآخرين.
كثيرون يتعاملون مع الطريق وكأنه حلبة لإثبات القوة، يريد أن يكون نوره الأقوى، وصوته الأعلى، وحضوره الأكثر إزعاجًا، وكأن احترام الآخرين أصبح ضعفًا، بينما تحولت الأنانية إلى فضيلة عند البعض.
وإذا كانت السيارات تمثل جانبًا من المشكلة، فإن الكارثة الأكبر باتت فى بعض الدراجات النارية داخل المدن، آلاف الموتوسيكلات تجوب الشوارع كل مساء بلمبات ليد راعشة وعالية الشدة، أشبه بكشافات الملاعب الصغيرة، يندفع صاحب الدراجة بين السيارات غير عابئ بما يسببه للآخرين من إرباك أو عمى مؤقت، بعضهم يوجه الضوء إلى مستوى أعين السائقين مباشرة، وكأن الطريق ملكية خاصة له وحده.
هذه الظاهرة لم تعد مجرد مخالفة مرورية بسيطة، بل أصبحت سلوكًا منفلتًا يهدد الأرواح، ومن المؤسف أن كثيرًا من مرتكبيها لا يدركون حجم الخطر الذى يخلقونه، فالرؤية الليلية للإنسان حساسة للغاية، وأى إضاءة مبهرة ومفاجئة تؤثر على قدرة العين على التكيف لعدة ثوانٍ، وهى فترة كافية لوقوع حادث مروع.
لهذا فإن القضية تحتاج إلى تدخل جاد وحاسم من إدارات المرور، لا إلى حملات موسمية تنتهى بعد أيام، المطلوب أولًا وضع مواصفات واضحة وملزمة لأنظمة الإضاءة فى السيارات والدراجات، ومنع تركيب أى لمبات أو كشافات مخالفة تتجاوز الحدود الفنية المسموح بها.
كما ينبغى أن تشمل الفحوص الدورية للمركبات مراجعة مستوى الإضاءة وزوايا الكشافات، تمامًا كما يتم فحص الفرامل والإطارات، فالكشاف غير المنضبط قد يكون خطرًا لا يقل عن الفرامل التالفة.
ومن الضرورى أيضًا إطلاق حملات مرورية ميدانية تستهدف المركبات المخالفة، مع توقيع غرامات رادعة على من يستخدم إضاءات مبهرة أو معدلة بصورة غير قانونية، فبعض المخالفات لا يمكن علاجها بالنصح فقط، بل تحتاج إلى تطبيق صارم للقانون.
ولا يقل أهمية عن ذلك دور التوعية، فالكثير من السائقين لا يعرفون أصلًا أن كشافاتهم تؤذى الآخرين، هناك حاجة إلى حملات إعلامية تشرح مخاطر الإبهار الضوئى، وتؤكد أن احترام الطريق يبدأ من احترام حق الآخرين فى الرؤية الآمنة.
إن الطريق ليس ساحة حرب، ولا ميدان استعراض عضلات أو أضواء، الكشاف صنع لكى ينير لك الطريق، لا لكى يحجب الطريق عن غيرك، ومن حق كل مواطن أن يقود سيارته أو دراجته أو يعبر الشارع دون أن يتعرض فى كل لحظة لهجوم من ضوء كاشف يحرق العين ويهدد الحياة.
الحضارة ليست فى امتلاك لمبة أشد سطوعًا، بل فى معرفة الحدود التى تمنع أذاك عن الآخرين، والتقدم لا يقاس بعدد الواطات التى تخرج من الكشاف، وإنما بعدد الأرواح التى نحافظ عليها.
لقد آن الأوان لأن نتعامل مع فوضى الإضاءة على الطرق باعتبارها قضية سلامة عامة، لا مجرد تفصيلة فنية، فكل يوم يمر دون تنظيم حقيقى لهذه الظاهرة هو يوم إضافى نترك فيه الأرواح رهينة لغرور بعض المستهترين.
نريد طرقًا أكثر أمانًا، وشوارع أكثر احترامًا، وقوانين أكثر حزمًا، نريد أن نرى الطريق بوضوح، لا أن نفقد أبصارنا عليه.
فلمبة الليد ليست مشكلة حين تُستخدم وفق الأصول، لكنها تصبح قاتلًا جديدًا على الطرق عندما تقع فى أيدى المنفلتين، وحين يتعلق الأمر بحياة الناس، فلا مكان للتهاون، ولا عذر لمن يحول الضوء إلى أداة خطر، أو يجعل من كشاف سيارته تهديدًا متحركًا لكل من يشاركه الطريق.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق