النحّات ناثان دوس: كل ريفي موهوب.. والفنان لا ينبغي أن يكون خادمًا لأي أيديولوجيا (حوار 1_2)

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يُعدّ ناثان دوس واحدًا من أبرز النحّاتين المصريين المعاصرين الذين نجحوا في تجاوز المفهوم التقليدي للنحت عبر مشروع فني وفكري يشتبك مع أسئلة التنوير والهوية والحرية والإنسان، فمن قرية مصرية بعيدة عن الحداثة تشكّل وعيه الأول بين الطبيعة والكنيسة والحياة الريفية القاسية قبل أن تقوده رحلته الفكرية إلى مراجعة كثير من المُسلّمات والانفتاح على الفلسفة والأدب والأسئلة الوجودية الكبرى.

«الدستور» دخلت مَرْسمه لتحاور الفنان المتجدّد حول اكتشافه المبكر للموهبة وعلاقته المُعقّدة بالدين والفن ورؤيته لمعنى التنوير ومشروعه القائم على تحرير النحت من الجمود الكلاسيكي، كما كشف عن انحيازه الدائم للإنسان والمهمشين ليتوقف عند أزمة العلاقة بين الفن التشكيلي والجمهور، ومستقبل النحت في مصر ودور المؤسسات الثقافية في دعم المشهد الفني، مؤكدًا أن الفن في جوهره طريق إلى الحرية ووسيلة دائمة للبحث عن المعنى والخلود.. وإلى نص الحوار:

لوحات ناثان دوس تكشف عبقرية النحات المصري 
لوحات ناثان دوس تكشف عبقرية النحات المصري 

◘ بداية.. كل ريفي موهوب بالفطرة، فهل لعب هذا العالم السحري دورًا في اكتشاف عالمك وتشكيل موهبتك؟ 

* الريف لم يكن فضاءً رومانسيًا كما يتخيله البعض، بل عالما شديد القسوة والانشغال بتفاصيل البقاء اليومية، لذلك فإن اكتشاف الموهبة داخله لم يكن أمرًا سهلاً، فالفلاح يعيش بين مسؤوليات الزراعة ورعاية المواشي والحصاد والري؛ حتى يصبح الفن نفسه نوعًا من "الرفاهية" التي لا يملكها ابن الريف.

فاكتشاف الموهبة ليس بالأمر الهيّن، وقد تلعب الصدفة دورًا كبيرًا في ذلك، وهذا ما حدث معي، لم يكن لدىّ ذلك الوعي بمعنى ومفهوم "فنان"، إلى أن نبّهني أحد أصدقائي المختلفين إلى امتلاكي موهبة خاصة وكانت هذه الكلمة غريبة تمامًا علىّ وعلى قاموس بيئتي الريفية، صحيح أنني كنت أمارس الفن وأنتجه، لكنني لم أكن قد أدركت بعد قيمته وأهميته، إلاّ بما كان يحققه من فرح وبهجة للمحيطين بي.

<strong>الزميل خالد حماد يستمع لشرح ناثان دوس عن منحوتاته داخل مرسمه </strong>
الزميل خالد حماد يستمع لشرح ناثان دوس عن منحوتاته داخل مرسمه 

ففي سنوات طفولتي لم تكن الكهرباء قد وصلت إلى بيوتنا، وكنا نعيش في قرى بعيدة عن مفهوم الحداثة كما نراه اليوم، وربما كان هذا السبب في أن مخيلتنا تشكّلت عبر الطبيعة التي كانت وما زالت الكتاب المفتوح على الحياة، وكانت ندرة الصور الملونة والكهرباء خلال فترة السبعينيات أمرًا طبيعيًا بالنسبة لنا نحن أبناء الريف وهو ما جعل نشأتنا ذات طابع ديني، وطفولتنا محكومة بتربية كنسية صارمة قائمة على قراءة الكتاب المقدس والالتزام بالشعائر الدينية، التي كانت من أبرز أولوياتنا.

◘ كيف إذًا حدث التحول من شخص مكرّس للكنيسة إلى أحد أبرز نحّاتي العالم العربي؟

وهبني والدي للكنيسة، فقد كان من ضمن خططه أن يكون أحد أبنائه قسًّا، ووقع الاختيار علىَّ وعندما تقدمت إلى كلية اللاهوت لم أقبل، وكان دخولي الجامعة بمثابة نقطة التحول الفارقة إذ انفتحت على الأسئلة الشائكة حول الوجود والخلود والقضايا الإنسانية الكبرى، بجانب الانفتاح على الفلسفة والإبحار في قراءات نيتشه وشوبنهاور واكتشاف عوالم جديدة غير تلك التي عشتها جعلني ذلك أبدأ رحلة من التساؤل والتجريب، وصولاً إلى التخلي عن كثير من القناعات القديمة وكانت هذه التحولات الفكرية قد دفعتني في بداية الأمر إلى إنتاج أعمال ذات طابع أيديولوجي، لكن التخلي عن الأيديولوجيا كان لاحقا القرار الحاسم في رحلتي.

اكتشفت مع الوقت والتجربة أن الأهم هو أن تقدم ما يخدم قناعاتك الفكرية والإنسانية، لا أن تكون خادما لأي أيديولوجيا، سواء كانت سياسية أو دينية. وكان الانحياز للإنسان، في كل تفاصيل حياته وضعفه وقوته وحتى خطاياه وانتصاراته، هو الهدف الأسمى.

إن الفنان حين يصبح خادما للمؤسسة، أيا كانت، يفقد معنى وقيمة حريته، فالفنان المسيحي خدم الكنيسة، وكذلك المسلم خدم المؤسسة الدينية، فاقتصرت أعماله على الزخارف والخطوط وإذا رجعنا إلى الخلف سنجد أن الفنان المصري القديم خدم المعبد، بينما جاء القرن العشرين ليمنح الفن مساحة أكبر من الحرية والخروج من سلطة المؤسسات.

<strong>لوحات ومنحوتات ناطقة بالحياة داخل مَرْسم ناثان </strong>
لوحات ومنحوتات ناطقة بالحياة داخل مَرْسم ناثان 

◘ لدى ناثان دوس مشروع قائم على الاستنارة والتنوير بكل ما يحمله من أفكار.. فماذا يعني لك التنوير؟

* التنوير في ظني تقديم مراجعات نقدية لما نحمله على كاهلنا من تراث وعادات وتقاليد وأيديولوجيات، فنحن بحاجة إلى مراجعات نقدية عميقة للموروث الديني والثقافي؛ لأن ما وصلنا في النهاية جاء عبر جغرافيات وأزمنة مختلفة، من دون مساءلة حقيقية لمدى ملاءمته لواقعنا.

أنجزت عملاً نحتيًا مستوحى من كفافيس، بجانب عمل آخر يجسد هيباتيا في محاولة لطرح أسئلة تتعلق بالعلاقة المعقدة بين الدين والتنوير والتاريخ الثقافي المصري والجذور والهوية المصرية.

f95216075a.jpg

فاختياري لكفافيس تحديدًا لم يكن مصادفة، فالشاعر، رغم جذوره اليونانية هو ابن حقيقي لهذه الأرض، ابن الإسكندرية ومصر، لكن اليونانيين احتفظوا به واحتفوا به أكثر مما فعلنا نحن المصريين، بجانب ذلك، قدمت "هيباتيا" إلى جوار طه حسين بما يحمله هذا التجاور من دلالات فكرية وثقافية، تشير إلى أن التعصب الديني، سواء في التاريخ المسيحي أو الإسلامي، قادر على اغتيال القامات الفكرية الكبرى، ووأد إمكانيات حضارية كان يمكن أن تأخذ المجتمع إلى آفاق أكثر انفتاحا وإنسانية.

ناثان يقول إن انحيازه للنحت جاء لمقاومة الفناء 
ناثان يقول إن انحيازه للنحت جاء لمقاومة الفناء 

◘ برأيك.. هل جاء اختيارك لفن النحت لارتباطه أكثر بمعنى الخلود؟

* لا شك أن ميراثنا من النحت المصري القديم وبقاءه في مواجهة الزمن، مقارنة بالأدب المكتوب على ورق البردي الذي تآكل واختفى، كان له دور كبير في انحيازي للنحت، الذي يحمل قدرة استثنائية على مقاومة الفناء، لأنه يواجه الزمن بالحجر الصلب، بينما تبقى الأعمال الفنية محاولة إنسانية دائمة لترك أثر يتجاوز العمر الفردي نحو نوع من البقاء الرمزي والأبدي.

ويأتي سر بقاء النحت المصري القديم من عبقرية النحات المصري في اختيار الأحجار، فلو أن تماثيل الفراعنة نحتت من الرخام كرخام كرارا أو البيانكو، لكانت الرطوبة والزمن قد التهماها، بينما اختار المصري القديم أحجارًا نارية شديدة الصلابة مثل الجرانيت والكوارتزيت والديوريت، وهي أحجار قاومت عوامل الطبيعة وظلت شاهدة على الحضارة حتى اليوم وجاء اختياري للنحت من إحساسي بأن هناك جملة فنية خاصة بي لا يمكن أن أجسدها إلا عبر الحجر، لا عبر الشعر أو الرواية أو المسرح، بل بالمطرقة والمسمار والتشكيل على الحجر.

ناثان يؤكد أن جملته للفن لا يمكن تجسيدها إلا عبر الأحجار 
ناثان يؤكد أن جملته للفن لا يمكن تجسيدها إلا عبر الأحجار 

ويظل النحت بالنسبة لي ليس مجرد كتلة وفراغ، بل لغة كاملة تحمل بين طياتها أفكارًا ورؤى وتساؤلات كبرى، وتأتي بأقل قدر من التفاصيل، فالنحت في جوهره أقرب الفنون إلى الشعر× لأن الصورة الشعرية المكثفة كثيرًا ما تلهمنا بأعمال نحتية كاملة، وهذا ما جعلني استدعي أبياتا لصلاح عبد الصبور في ديوانه "الناس في بلادي"، واستلهمت منه عملي "أحلام القرية"، الذي اعتمد على الصورة الشعرية التي قدمها عبد الصبور بدءًا من توصيفه للبيت الريفي وباب الحديد والمائدة العامرة والحياة الأكثر رحابة، وحولت هذه الصورة إلى تكوين نحتي، حيث يظهر البطل مستلقيا على حصيرة، بينما تحيط به رموز الحلم الريفي.

<strong>الزميل خالد حماد يتأمل أنامل ناثان دوس في مرسمه</strong>
الزميل خالد حماد يتأمل أنامل ناثان دوس في مرسمه

مشروعي قائم على تحرير النحت من شكله التقليدي لا أريد أن أقدم تمثالا جامدًا يقف أو يجلس، فقط، بل أسعى إلى إدخال شخصياتي في الفراغ، عبر تكوينات هندسية تمنحها بعدا مسرحيا وحركة مستمرة، لذلك ستجد أغلب شخوصي معلقة أو طافية أو خارجة عن الوضع الكلاسيكي المعتاد.

وأطرح عبر أعمالي أسئلة عديدة، منها: هل يمكن نحت الريح؟ هل يمكن نحت البحر أو معادلة رياضية أو بيت شعري؟ هذه الأسئلة ظلت تحاصرني دائما، وتدفعني للبحث عن مناطق جديدة تتجاوز المفهوم التقليدي للنحت، لذلك ستجد أعمالي تحمل رؤى وأفكارا مركزية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق