- نظام تعقيم بالأشعة فوق البنفسجية يضمن خلو المياه تمامًا من أى بكتيريا
- يتميز باستهلاك ضئيل جدًا للكهرباء لا يتجاوز 250 إلى 300 واط فى الساعة
- يعمل بشكل أوتوماتيكى على مدار 24 ساعة طوال أيام الأسبوع
نجح الدكتور محمد يحيى الإمام هلالى، الباحث بمعمل أبحاث الفضاء التابع للمعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، فى تطوير جهاز مبتكر لاستخلاص مياه الشرب من الهواء مباشرة، اعتمادًا على الرطوبة الجوية، بتكنولوجيا مصرية وحصل على براءة اختراع رسمية.
وكشف الدكتور هلالى، فى حواره مع «الدستور»، عن آلية عمل الجهاز، وإمكانات توظيفه لدعم الأمن المائى المصرى ومواجهة تحديات التغيرات المناخية، خاصة مع استهلاكه المنخفض للكهرباء، وإمكانية تشغيله بالطاقة الشمسية.
■ بداية، كيف جاءت فكرة ابتكار جهاز لاستخلاص مياه الشرب من الهواء؟ وما المشكلة التى كنت تسعى إلى حلها؟
- بدأت الفكرة منذ عام ٢٠٠١، من خلال الملاحظة الدقيقة لظاهرة الندى الطبيعية وتجمع جزيئات المياه على الأسطح الباردة فى الصباح الباكر.
أما المشكلة الأساسية التى كنت أسعى لحلها فهى أزمة شح المياه العالمية وارتفاع نسب التلوث فى شبكات المياه التقليدية، وأردت تقديم بديل آمن ونقى تمامًا يحمى المواطنين من الأمراض الناتجة عن تلوث المياه أواختلاطها بالصرف.
■ ما الآلية العلمية التى يعتمد عليها الجهاز لتحويل الرطوبة الجوية إلى مياه صالحة للشرب؟
- يعتمد الجهاز على محاكاة ظاهرة الندى الطبيعية، من خلال استخلاص بخار الماء الموجود فى الهواء وتحويله إلى مياه سائلة عبر منظومة تكثيف متكاملة.
وتتسم المياه الناتجة بدرجة عالية من النقاء، وفقًا لما أثبتته التحاليل المعملية، وهو ما يجعلها صالحة للشرب فى حالتها الطبيعية، مع الاعتماد على منظومة حماية إضافية داخل الجهاز لضمان الجودة والاستقرار.
وتتم عملية إنتاج المياه عبر سلسلة من المراحل المتتابعة، تبدأ بتنقية الهواء الداخل إلى الجهاز من خلال فلترين مركبين فى الفتحات الجانبية، يعملان على حجز الأتربة والجزيئات الكبيرة ومنع وصولها إلى النظام الداخلى، بعد ذلك، يتم سحب الهواء وتمريره فوق أسطح باردة تعمل على تكثيف بخار الماء وتحويله إلى قطرات سائلة، ثم تمر المياه المتكونة بمرحلة فلترة بسيطة باستخدام مادة إسفنجية دقيقة، وظيفتها الأساسية حجز أى شوائب أو عوالق قد تتكون أثناء عملية التكثيف داخل الجهاز.
ويعقب ذلك نظام تعقيم مزدوج بالأشعة فوق البنفسجية «UV»، يعمل على مسارين، الأول لتعقيم الهواء الداخل قبل المعالجة، والثانى لتعقيم المياه داخل الخزان، بما يضمن القضاء على أى بكتيريا أو ميكروبات محتملة.
وتخزن المياه فى خزان داخلى بسعة ٣٠ لترًا، صمم لاستيعاب التغيرات المستمرة فى معدلات الرطوبة الجوية، حيث ترتفع الإنتاجية مع زيادة الرطوبة وتنخفض عند تراجعها.
ويعمل الجهاز بشكل أوتوماتيكى على مدار ٢٤ ساعة طوال أيام الأسبوع، مع إتاحة المياه للمستهلك مباشرة بدرجتى حرارة، باردة وساخنة، وفق الحاجة.
■ ما المدة التى استغرقتها رحلة البحث والتطوير؟
- بدأت الفكرة كما ذكرت فى عام ٢٠٠١، لكن العمل الفعلى وتطوير النماذج بدأ يتجسد بصورة مكثفة لاحقًا، وفى نوفمبر ٢٠١٤ نجحت فى عرض أول نموذج أولى يدوى، واستغرق تصنيعه ما بين أربعة وخمسة أشهر، وتم عرضه خلال معرض القاهرة الدولى الأول للابتكار بالجامعة الأمريكية. واستمرت الأبحاث والتطوير لسنوات عديدة حتى وصلنا فى عام ٢٠١٩ إلى النموذج شبه النهائى والصناعى، وتوجت هذه المسيرة بالحصول على براءة اختراع رسمية من مكتب براءات الاختراع بأكاديمية البحث العلمى والتكنولوجيا فى مصر بعد إثبات تميز الجهاز وتجربته فعليًا.
■ ما أبرز التحديات العلمية أو التقنية التى واجهتك أثناء تصميم وتصنيع الجهاز؟
- أبرز التحديات تمثلت فى كيفية رفع كفاءة الجهاز الإنتاجية مع الحفاظ على استهلاك منخفض جدًا للطاقة، كما واجهنا تحديًا آخر يتمثل فى تحويل النموذج من مجرد جهاز يدوى مصنع منزليًا إلى منتج شبه نهائى قابل للتصنيع الكمى باستخدام خامات وخطوط إنتاج صناعية.
كذلك كان من الضرورى جعل الجهاز قادرًا على العمل بكفاءة فى بيئات مختلفة تتفاوت فيها نسب الرطوبة بصورة حادة.
■ الجهاز ينتج نحو ١٥ لترًا يوميًا.. فهل تختلف الكمية باختلاف نسبة الرطوبة ودرجات الحرارة؟
- نعم بالتأكيد، فإنتاجية الجهاز ترتبط بصورة مباشرة بنسبة الرطوبة واتجاهات الرياح.
النموذج الحالى ينتج ما يقرب من ١٥ لترًا من المياه العذبة يوميًا أو أكثر إذا وصلت نسبة الرطوبة إلى ٨٠٪ أو تجاوزتها.
أما إذا انخفضت الرطوبة إلى مستويات تتراوح بين ١٥٪ و٣٠٪، فإن الإنتاج يتراجع ليتراوح بين نصف لتر ولترين يوميًا فقط.
فالرياح القادمة من المسطحات المائية تكون أكثر رطوبة، وبالتالى يكون الإنتاج وفيرًا، بينما تكون الرياح القادمة من قلب الصحراء جافة، ما يؤدى إلى انخفاض كمية المياه المنتجة.
■ ما نتائج التحاليل المعملية التى أجريت على المياه المنتجة؟
- التحاليل المعملية الدقيقة أثبتت أن المياه المنتجة من الجهاز صالحة للشرب بنسبة ١٠٠٪، وهى شبيهة إلى حد كبير بمياه الأمطار والمياه المقطرة لخلوها التام من الشوائب والأملاح المعدنية الضارة والملوثات الشائعة الموجودة فى شبكات المياه التقليدية.
كما أن نظام التعقيم بالأشعة فوق البنفسجية يضمن خلو المياه تمامًا من أى بكتيريا أو ميكروبات، ما يجعلها مطابقة للمواصفات وصالحة للشرب والزراعة وكل الاستخدامات الأخرى.
■ ما تكلفة تشغيل الجهاز واستهلاكه الطاقة مقارنة بالوسائل التقليدية لإنتاج المياه؟
- الجهاز يتميز باستهلاك ضئيل جدًا للكهرباء لا يتجاوز ٢٥٠ إلى ٣٠٠ واط فى الساعة، وهى تكلفة تشغيل منخفضة جدًا مقارنة بمحطات التحلية أو المعالجة التقليدية الضخمة. والأهم من ذلك أن الجهاز مصمم ليعمل بالكامل بالطاقة الشمسية، ما يجعل تكلفة تشغيله فى المناطق المفتوحة أو النائية شبه منعدمة.
■ هل يمكن الاعتماد على الجهاز فى المناطق التى تعانى من ندرة المياه؟
- نعم، يمكن الاعتماد عليه باعتباره وسيلة إنقاذ حقيقية للحياة فى المناطق الصحراوية والنائية. فعلى الرغم من أن أعلى كفاءة تشغيلية له تتحقق فى المناطق الساحلية ذات الرطوبة المرتفعة، فإنه يظل قادرًا على استخلاص المياه حتى عند مستويات الرطوبة المنخفضة التى تتراوح بين ١٥٪ و٣٠٪.
كما يصبح الاعتماد عليه مثاليًا عند تشغيله بالطاقة الشمسية لتوفير مياه شرب نقية دون الحاجة إلى مد خطوط أنابيب مكلفة عبر المناطق الصحراوية.
■ إلى أى مدى يسهم هذا الابتكار فى دعم الأمن المائى ومواجهة تحديات التغيرات المناخية؟
- هذا الابتكار يمثل مساهمة حقيقية لدعم الأمن المائى. فلو افترضنا وجود مليون جهاز تعمل فى دولة بحجم مصر، فسيكون بالإمكان توفير ملايين الأمتار المكعبة من مياه نهر النيل وإعادة توجيهها لاستخدامات أخرى. كما أنه يقدم حلًا مستدامًا لمواجهة التغيرات المناخية من خلال إنتاج مياه نقية بصورة أوتوماتيكية وعلى مدار الساعة دون استنزاف الموارد المائية الجوفية أو السطحية.
■ هل تم تصنيع جميع مكونات الجهاز محليًا؟
- وفقًا لدراسة الجدوى المبدئية الخاصة بالتصنيع المحلى فى مصر، وبفضل توافر المصانع الوطنية المتخصصة فى تصنيع وحدات التبريد والتسخين والفلاتر، فإن تصنيع الجهاز محليًا ممكن بصورة كبيرة.
وتصل نسبة المكون المحلى فى الجهاز إلى نحو ٨٠٪، وهى نسبة مرتفعة للغاية تعزز فرص التصنيع الوطنى وتقليل الاعتماد على الواردات.
■ هل توجد خطط للتوسع فى الإنتاج أو التعاون مع جهات صناعية لتحويل الابتكار إلى منتج متاح فى الأسواق؟
- نعم، الجهاز مرشح بقوة للدخول فى خط الإنتاج الصناعى خلال المرحلة المقبلة.
وأظهرت دراسة الجدوى أن تكلفة إنتاج الجهاز المنزلى متوسط الحجم ستتراوح بين ١٥ و١٨ ألف جنيه مصرى للوحدة الواحدة.
كما أن الانتقال إلى الإنتاج الكمى، بواقع ألف وحدة أو أكثر، سيؤدى إلى خفض تكلفة الإنتاج بنحو ٣٠٪.
■ هل يمكن تطوير الجهاز مستقبلًا لزيادة الطاقة الإنتاجية؟
- نعمل على تطوير التصميمات الحالية وإجراء تعديلات تقنية ترفع القدرة الإنتاجية للجهاز وتزيد من كفاءته لإنتاج كميات أكبر من المياه.
ويسمح هذا التطوير مستقبلًا بدمج التكنولوجيا فى المشروعات القومية الكبرى والمجتمعات العمرانية الجديدة، خاصة المدن الساحلية المستحدثة.
■ كيف ترى دور البحث العلمى المصرى فى تقديم حلول عملية لمشكلات المياه والطاقة خلال السنوات المقبلة؟
- البحث العلمى المصرى يمتلك عقولًا وخبرات قادرة على بناء اقتصاد قوى قائم على المعرفة والابتكار.
وهذا الجهاز يعد دليلًا عمليًا على أن البحث العلمى ليس مجرد نظريات تبقى داخل الأدراج، بل أداة حقيقية لحل أزمات استراتيجية مثل المياه والطاقة. كما يمكن تحويل الابتكارات العلمية إلى مشروعات صناعية ذات عوائد اقتصادية مرتفعة قد تصل إلى ٤٠٪ كأرباح صافية عند الإنتاج الكمى.
ما الذى يميز الابتكار المصرى عن النماذج الموجودة عالميًا؟
- أولها الانخفاض الكبير فى تكلفة الإنتاج والبيع مقارنة بالأجهزة المستوردة، نتيجة الاعتماد على مكون محلى تصل نسبته إلى ٨٠٪.
وثانيها الاستهلاك المنخفض للغاية للطاقة، والذى يتراوح بين ٢٥٠ و٣٠٠ واط فقط، مع إمكانية التشغيل المباشر بالطاقة الشمسية.
أما العنصر الثالث فيتمثل فى قدرته على توفير المياه الباردة والساخنة معًا عبر منظومة متكاملة للتكثيف والتصفية والتعقيم عالية الكفاءة. ويضاف إلى ذلك سهولة الصيانة وعدم تعقيدها، وهو ما يجعله خيارًا اقتصاديًا وعمليًا مناسبًا للأسواق المحلية والإقليمية.














0 تعليق