الأحد 14/يونيو/2026 - 04:18 م 6/14/2026 4:18:46 PM
يوم الثلاثاء الماضي، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، بالقاهرة، فيليكس تشيسيكيدي، رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية، في زيارة رسمية ـ هي الرابعة خلال السنوات الأخيرة ـ تعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين.. وقد أكد الرئيس السيسي ـ الذي هنأ نظيره الكونغولي بمناسبة الذكرى السادسة والستين لاستقلال بلاده ـ أن وتيرة الزيارات المتبادلة تعكس متانة العلاقات الثنائية والزخم المتنامي في مختلف مجالات التعاون بين البلدين.. فيما أعرب الرئيس تشيسيكيدي عن تقديره للدعم المصري المستمر لبلاده، وللدور الذي تلعبه القاهرة في دعم الاستقرار بالقارة الإفريقية.. وناقش الرئيسان سبل تعزيز التعاون الاقتصادي، حيث شدد الرئيس السيسي على أهمية زيادة معدلات التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة، مع الاستفادة من الخبرات المصرية في مجالات الطاقة والبنية التحتية والمشروعات التنموية.. وأكد الرئيس استعداد مصر الكامل لدعم جهود التنمية في الكونغو الديمقراطية، من خلال الشركات المصرية والبرامج الفنية وبناء القدرات.
استحوذ ملف التعاون بين دول حوض النيل على جانب مهم من المباحثات، حيث أكد الجانبان أهمية الالتزام بالقانون الدولي المنظم للأنهار العابرة للحدود، وضرورة تعزيز التنسيق والتوافق بين دول الحوض بما يحقق المصالح المشتركة دون الإضرار بأي طرف.. وأشاد الرئيس السيسي بالمواقف الكونغولية الداعمة لمبادئ التعاون وحسن الجوار، فيما أكد الرئيس تشيسيكيدي حرص بلاده على استمرار التنسيق الوثيق مع مصر في هذا الملف الحيوي.. جدد الرئيس السيسي تأكيد دعم مصر الكامل لوحدة وسلامة أراضي جمهورية الكونغو الديمقراطية، مشيرًا إلى استمرار انخراط القاهرة في الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في شرق الكونغو.. كما أكد الرئيس استعداد مصر لتقديم مختلف أشكال الدعم الإنساني والطبي والغذائي، إلى جانب المساهمة في جهود إعادة الإعمار والتنمية خلال المراحل المقبلة.. وبحث الجانبان سبل توسيع التعاون في مجالات الموارد المائية والري، بما في ذلك تنفيذ مشروعات الإدارة المتكاملة للموارد المائية ومشروعات السدود التنموية في الكونغو الديمقراطية، وأشار إلى التزام مصر بدعم مشروعات السدود في جمهورية الكونغو الديمقراطية، من أجل التنمية وتوفير الدعم الفني اللازم وبناء الكوادر القدرات للكوادر الوطنية الكونغولية، مع التأكيد على مراعاة مبادئ القانون الدولي وعدم الإضرار بالدول الأخرى.
وشهد الرئيسان توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، التي تستهدف تعزيز التعاون المشترك في مختلف القطاعات، بما يفتح آفاقًا جديدة للشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وكينشاسا.. أكد الرئيس السيسي خلال المؤتمر الصحفي المشترك ـ في رسالة مصرية لدول حوض النيل ـ أن مصر تتمسك بمبادئ القانون الدولي وحسن الجوار، وتسعى إلى تحقيق المنفعة المشتركة لجميع شعوب حوض النيل، مع تجنب الإضرار بأي دولة والعمل على الإدارة المستدامة لموارد النهر بما يحقق التنمية والاستقرار للجميع.. واختتمت المباحثات، بالتأكيد على مواصلة التنسيق السياسي والاقتصادي بين البلدين، وتعزيز التعاون في ملفات التنمية والسلم والأمن الإقليمي، بما يخدم مصالح الشعبين ويدعم استقرار القارة الإفريقية.
وقد شهد شهر يناير من العام الماضي، مناقشة ترتيبات إقامة سد كهرومائي في الكونغو الديمقراطية، بتمويل من القاهرة، للمساهمة في إنتاج الطاقة، خطوة جديدة من الحكومة المصرية؛ لتعزيز تعاونها مع دول حوض النيل، حيث ناقش وزير الموارد المائية والري المصري، (الترتيبات الخاصة بمشروع سد مابانكانا، لتوليد الطاقة الكهرومائية، المقرر تمويله، من خلال آلية التمويل التي أطلقتها الحكومة المصرية، لتنفيذ مشروعات تنموية وبنية أساسية بدول حوض النيل».. وفي وقت سابق، أعلنت الحكومة المصرية، عن آلية تمويلية، لتنفيذ مشروعات تنموية بدول حوض النيل، وأشارت الخارجية المصرية، في أكتوبر 2024، إلى (بدء إنشاء صندوق الاستثمار في دول حوض النيل؛ بهدف تعزيز الاستثمارات في المشروعات التنموية والبنية الأساسية في تلك الدول).
*
التاريخ يؤكد، أن مصر لم تقف ضد التنمية في دول حوض النيل.. فهناك العديد من السدود أُنشئت في هذا الحوض، بالاتفاق والتشاور دون خلافات، طالما أنها لم تؤثر بشكل ملموس على دول المصب، وساهمت أيضًا في بناء سد أوين في أوغندا عام 1951، بنحو مليون جنيه إسترلينى، وقت أن كان الجنيه الاسترلينى يساوى جنيهًا من الذهب، أي ما يعادل ثمن المساهمة في السد بمبلغ ست مليارات جنيه، وسد جبل الأولية الذي أهدته مصر إلى السودان بعد بناء السد العالي.. وعلى مدار التاريخ، كان مطلبها الوحيد هو عدم التأثير على حصة دول المصب، جراء انشاء مشروعات في أعالي النهر دون توافق، حتى لا يحدث تأثير سلبي على تدفقات المياه.
وتقديرًا لدور مصر الريادي في القارة الإفريقية، وجه الرئيس التنزاني في أكتوبر 2018، الدعوة للرئيس عبد الفتاح السيسي، لوضع حجر الأساس لمشروع إنشاء سد (ستيجلر جورج) الذي نفذته شركة المقاولون العرب في حوض نهر روفيجى، وأن يكون مشروع إنشاء السد تحت إشرافه، أسوة بالمشروعات القومية الكبرى التي تم تنفيذها في مصر، وهو ما رحب به الرئيس السيسي، مؤكدًا ـ وقتها ـ أن بناء السد سيتم على نحو تفتخر به مصر وتنزانيا والقارة الإفريقية، وسيمثل نموذجًا يحتذى به للتعاون بين الأشقاء الأفارقة.
ومعروف أن نهر روفينجى، هو نهر داخلي في تنزانيا طوله ستمائة كيلو متر، ويصب في المحيط الهندي المقابل لجزيرة مافيا ووادى ستيجلر جورج، جنوب غرب دار السلام، العاصمة التجارية وأكبر مدينة في تنزانيا، وإيراده يتراوح من عشرة إلى ثمانية وخمسين مليار متر مكعب سنويًا، بمتوسط عشرين مليار متر مكعب سنويًا، ويبلغ عمقه مائة متر وعرضه مائة متر، ولا يوجد تأثير سلبي لدول الجوار من اقامة منشآت مائية عليه.. لذلك، كانت فكرة إنشاء السد بغرض توليد الكهرباء، بطول كيلو متر واحد، وارتفاع مائة وثلاثين مترًا.. فضلًا عن أربعة سدود مكملة، لزيادة السعة التخزينية لتصل إلى أربعة وثلاثين مليار متر مكعب.. وتشغل محطة توليد الطاقة وبحيرة الخزان ما يقارب ألق وثلاثمائة وخمسين كيلو متر مربع، وبلغت تكلفة بناء السد حوالي 3.6 مليار دولار، وتم الانتهاء منه في مدة لم تزد عن ستة وثلاثين شهرًا، وتم تسليمه عام 2021.. لتصل إجمالي الطاقة التي تم توليدها من السد إلى ألفين ومائة ميجاوات، عبر خط كهربائي عالي الجهد، تم دمجها في شبكة الكهرباء الوطنية، وهو ما ساهم في زيادة انتاج الطاقة الكهربائية وسد العجز الذي تعاني منه تنزانيا، وساهم في ربط شبكات تنزانيا وكينيا وأوغندا وزامبيا.
وفي الثلاثين من يونيو 2021، أعلنت مصر أن مشاركتها في بناء سدود بدول حوض النيل، في جنوب السودان وتنزانيا، رسالة إلى المجتمع الدولي، بأنها ماضية في الاستثمار في المشاريع المائية، على الرغم ممّا تواجهه من استفزازات من قبل إثيوبيا.. وفيما انتهجت أديس أبابا لغة التصعيد والمماطلة في المفاوضات، اختارت القاهرة دعم مشاريع التنمية في القارة الإفريقية، بهدف حشد رأي عام يساندها في معركة سد النهضة.
لقد بعثت القاهرة برسائل عديدة إلى المجتمع الدولي، بإعلانها المشاركة في دراسات مشروع سد (واو)، الذي تعتزم دولة جنوب السودان تشييده على النيل الأبيض، وهو أحد الروافد الرئيسية التي تغذي نهر النيل، وذلك بعد شروعها في تشييد سد آخر في تنزانيا، ومساهمتها في سدود بالكونغو وأوغندا والسودان.. ويهدف تكريس هذا التوجه إلى التأكيد، على أن القاهرة تؤمن بحق الدول الإفريقية في تنمية مواردها الطبيعية، شريطة عدم تأثيرها على المصالح المشتركة لدول حوض النيل، ويكون ذلك بالتعاون والتنسيق المشترك، وألا تتحول السدود التي تشرع في بنائها دول عديدة، إلى صراع حول قدرة كل طرف على حجز أكبر كميات من المياه مما يؤدي إلى النزاع.
وثمة عدد من السدود التي دخلت مرحلة الإنشاء أو الدراسة في أكثر من دولة على حوض النيل، وهي (إنجا 3) في الكونغو الديمقراطية على نهر الكونغو، و(سد أوغندا الجديد) في أوغندا على نهر النيل، وسد(واو) في جنوب السودان على نهر النيل، وسدا (إنجا 4) و(إنجا 5) على نهر الكونغو، وسد (كاروما) في أوغندا على نهر النيل، وسد (جوليوس نيريري) في تنزانيا على نهر روفيجي.. وتنخرط مصر في تقديم دراسات خاصة بإنشاء بعض هذه السدود، وتولن بشكل مباشر بناء سد (جوليوس نيريري) في تنزانيا، وسد (أوغندا الجديد)، وتساعد في تمويل سد (إنجا 3) في الكونغو الديمقراطية، والأخير من المتوقع أن ينتج كميات من الكهرباء تفوق ضعفين ونصف ما سوف ينتجه سد إثيوبيا (10.40 ميجاوات).
لم تكن القاهرة يومًا ضد تنمية بلدان القارة الإفريقية، بل أسهمت منذ ثلاثينات القرن الماضي في بناء خزان (سنار) في السودان، وشاركت في بناء سد (الروصيرص)، إلى جانب بناء سد (أوين)، وما زال يخضع لإشراف خبراء مصريين يتواجدون في أوغندا حتى الآن.. لقد أضحت القاهرة أكثر اهتمامًا في الوقت الحالي بالمشاركة في مشاريع توفير المياه، حيث أشرفت على حفر أكثر من سبعين بئرا للمياه الجوفية في تنزانيا، وأرسلت الهيئة الهندسية التابعة للجيش المصري فرقًا إلى جمهورية الكونغو من لتطوير نهر الكونغو وتجهيزه للملاحة.. دعمت مصر دولة جنوب السودان بدراسات فنية عن سد (واو) منذ عام 2015، ومشاركتها في هذا المشروع لا تنفصل عن جملة من الجهود التنموية التي تهدف إلى توفير مياه شرب نظيفة عبر مشروعات الآبار الجوفية.
عندما أطلق مسئول كبير من دولة جنوب السودان خلال يوليو 2021، تصريحات حول نية بلاده تدشين سد جديد على النيل الأبيض، لم تزعج التصريحات القاهرة، التي استبقتها بزيارة مطولة قام بها وزير الري والموارد المائية إلى جوبا، مما أكد على جاهزيتها للتعامل مع أي خطوات مستقبلية تتعلق بخطر الأمن المائي.. وقامت وزارة الري المصرية بإعداد دراسات لمشروع سد (واو)، وقام خبراء المركز القومي لبحوث المياه بإعداد الدراسات الهيدرولوجية والهيدروليكية والأعمال المساحية، والخرائط الكنتورية لموقع السد وبحيرة التخزين، وكذلك الدراسات الجيولوجية والجيوتكنيكية والإنشائية والبيئية، وأعمال التصميمات المبدئية للسد والمنشآت التابعة له.
وتعاقدت دولة جنوب السودان مع وزارة الكهرباء والطاقة المصرية، لإسناد أعمال التصميمات الخاصة بالمحطة الكهربائية وملحقاتها، ودراسة الجدوى الاقتصادية إليها من خلال إحدى الشركات المتخصصة التابعة لها والتي تعاونت مع أحد المكاتب الاستشارية الكبرى لإعداد الدراسات المطلوبة، للسد الذي يقع السد على نهر سيوي، أحد فروع نهر الجور الرئيسي بحوض بحر الغزال، على مسافة تسعة كيلومترات جنوب مدينة (واو)، ويهدف إلى توليد 10.40 ميجاوات من الكهرباء، وتوفير مياه الشرب لنحو خمسمائة ألف نسمة، والاستفادة من المياه في الري التكميلي لنحو ثلاثين إلى أربعين ألف فدان.
كل ذلك، لأن القاهرة تدرك أهمية دعم التنمية للدول الإفريقية، بالنواحي الفنية كوسيلة تضمن لها حضورًا في المشروعات المستقبلية بالقارة، على الرغم من ضعف الإمكانات مقارنة بالمشروعات التي تُشرف عليها قوى دولية، مثل الصين والولايات المتحدة، والتي تزايد الصراع بينهما على كعكة الاستثمارات في إفريقيا، (القاهرة توظف الخبرات التي يمتلكها مهندسو السد العالي للمشاركة في خطط بناء السدود المستقبلية في القارة، وهناك مدرسة هندسية مصرية يعتدّ بها من جانب الدول الإفريقية، ووفرت القاهرة خبراتها بأسعار زهيدة مقارنة بالشركات الأوروبية التي تشترط الحصول على نسبة أرباح مرتفعة.. لأن القاهرة تقدر أوضاع الدول الإفريقية، ولا تنظر إلى عامل الربح المادي المباشر، بقدر رغبتها في أن تبني جدران الثقة مع دول حوض النيل، وتستهدف أن تكون السدود الجديدة ذات سعة تخزينية منخفضة، تمكن الدول من الاستفادة من الطاقة الكهربائية دون أن يشكل ذلك ضررًا على دولتي المصب).
إن القاهرة تؤمن بأن مساعي دول القارة نحو إقامة السدود حق مشروع لها، لأن الكهرباء المولدة على الأنهار هي الأرخص مقارنة بوسائل التوليد الأخرى، كما أنها صديقة للبيئة وأكثر استدامة وتستطيع من خلالها أن تولد الطاقة في وقت سريع بمجرد تركيب التوربينات، ولا تحتاج إلى تمويل كبير في أثناء التشغيل.. وقد ذهب متابعون للتأكيد، على أن أهم الأخطاء التي تحاول القاهرة تلافيها، هي الوصول إلى مبادئ رئيسية تتضمن أهدافًا مشتركة لبناء السد، على أن يكون الهدف الأساسي هو توفير احتياجات الدول من الطاقة أولًا، ثم التفكير في التصدير، وتستهدف تحركاتها في أكثر من اتجاه، عبر اتفاقيات التعاون المشترك التي وقعتها مؤخرًا مع أكثر من دولة، تحقيق هذا الهدف حيث لا يكون هناك صراع حول سعة التخزين في كل سد.. على عكس إثيوبيا، التي تؤكد القاهرة، أن أديس أبابا لا تستهدف التنمية من وراء سد النهضة، وأن تحديد السعة التخزينية لسد النهضة بأربعة وسبعين مليار متر مكعب، يحوِّل المياه إلى سلعة تتحكم فيها إثيوبيا، وهو ما يخالف مبادئ القانون الدولي حول إدارة الأنهار المشتركة.
*
مما لا شك فيه، أن البعد الإفريقي يُعد أحد الابعاد المركزية في استراتيجية الأمن القومي المصري.. فمصر تقع جغرافيًا في القارة الإفريقية، وإقليمها هو حلقة الوصل البري بين إفريقيا وآسيا، ثم بوابة إفريقيا على العالم عبر البحر المتوسط.. غير أن السياسة الخارجية المصرية تجاه إفريقيا واجهت في العقد الأخير تحديات بالغة.. فرصيد مصر الاستراتيجي في إفريقيا، الذي تشكل بشكل خاص عبر دورها في مرحلة التحرر الوطني والاستقلال في القارة، كان يتآكل بشكل سريع بفعل عقدين من الغياب عنها على مستوى القمة، وكان التعاون الاقتصادي والتنموي بين مصر وأشقائها الأفارقة يتراجع، ولا يرتقي بأي حال من الأحوال للإمكانات التنموية التي يتيحها، وتم تجميد أنشطة مصر في الاتحاد الإفريقي عام 2013، رغم أن مصر عضو مؤسس له، كما كانت مؤسسة لسلفه منظمة الوحدة الإفريقية.
من هناـ جاءت الاستجابة المصرية لهذه التحديات بالتحرك على ثلاثة محاور أساسية.. الأول: العودة للاتحاد الإفريقي، ليس فقط بمعنى فك تجميد الأنشطة، بل باستعادة الدور القيادي لمصر في الاتحاد، وهو ما توج بعودة مصر عام 2019 لرئاسة الاتحاد لأول مرة منذ تأسيسه، وبعد ستة وعشرين عامًا من آخر مرة ترأست فيها مصر منظمة الوحدة الإفريقية (قبل تطوير المنظمة وتغيير اسمها إلى الاتحاد الإفريقي).. المحور الثاني: إعادة تأسيس الدور المصري النشط في القارة، على أسس الشراكة التنموية وتعزيز العلاقات الثنائية السياسية والاقتصادية، وتقديم المقترحات العملية للتعاون الفني والتجاري والاستثماري، وتوسيع مساحات التفاهم والمصالح المشتركة مع الدول الإفريقية.. والثالث: بلورة سياسة مائية مصرية، قوامها المزج بين التعاون التنموي والمائي مع دول حوض النيل، مع التمسك بحقوق مصر المائية، والتركيز على المصالح المشتركة والشراكات التنموية التي يستفيد منها الجميع.. ومن هنا، كان ما ذكرناه أعلاه، وهو جزء من كثير في محور واحد، وهو مياه نهر النيل.
وتأكيدًا للاهتمام المصري بتنمية دول حوض النيل، أعلنت مصر في السادس عشر من أكتوبر 2024، عن تدشين آلية استثمار جديدة في دول حوض النيل الجنوبي، بهدف تعزيز الاستثمار في المشروعات التنموية ومشروعات البنية الأساسية، بما في ذلك المشروعات المائية، على أن يتم ذلك وفقًا للقانون الدولي والمعايير الاقتصادية لتعزيز فرص نجاحها.. وتساهم الحكومة المصرية في هذه الآلية بمبلغ مائة مليون دولار، مع دعوتها للقطاع الخاص المصري ولشركاء التنمية للمشاركة فيها أيضًا.. وتدرس الحكومة المصرية حاليًا، بالتعاون مع الأشقاء في دول حوض النيل، كيفية استخدام هذه الآلية الجديدة لدعم مشروعات السدود في دول الحوض، وقد أعلنت مصر في نوفمبر 2024 مساهمتها في مشروع سد مبانكانا في دولة الكونجو الديمقراطية، وجاري دراسة دعم سد انجولولو مع دولتي أوغندا وكينيا، وكذا سد نشونجيزي الذي يقع بين رواندا وأوغندا وتنزانيا.
*
■■ وبعد..
فقد وقعت مصر سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية مع كل من أوغندا وكينيا وبوروندي ورواندا وجيبوتي وإريتريا والصومال ومؤخرًا كينيا، وغيرها، وربطت شبكتها الكهربائية الخاصة بشبكة السودان، وجاري ربط شبكات السكك الحديدية أيضًا.. (مصر تنفتح على المشاركة في تنمية موارد الأنهار ذات الطابع الدولي، طالما أن هناك فرصة للتعاون وليس للتصادم، بما يتفق مع مصالح الدول المتشاطئة عليها والتي تكون السيادة عليها مشتركة، وبما لا يضر بأي طرف من الأطراف الأخرى).. ربما حاولت القاهرة من وراء ذلك، ضمن الأهداف وليس فقط ـ خلق رأي عام داعم لجهودها في تنمية القارة الإفريقية، يكون مساندًا لها في جهودها لحل أزمة سد النهضة، التي خرجت من إطارها الإقليمي وأزمة دولية، إذ أن أخطار الملء والتشغيل من دون الوصول إلى اتفاق ملزم، لا تهدد دولتي المصب فقط، لكنها تشكل خطرًا داهمًا على الأمن والسلم الدوليين، وقد يقود ذلك إلى فوضى في منطقة القرن الإفريقي.
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين
















0 تعليق