ماذا ستقول يا رئيس المعاشات فى البرلمان؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الجمعة 12/يونيو/2026 - 12:39 م 6/12/2026 12:39:26 PM

ماذا ستقول يا رئيس هيئة التأمينات والمعاشات عندما تقف الأسبوع المقبل أمام مجلس النواب لتشرح ما آلت إليه أزمة المعاشات ونظام «CRM» الذى استطاع تحويل حياة عشرات الآلاف من أصحاب المعاشات إلى متاهة بلا مخارج؟ ماذا ستقول للنواب وللرأى العام ولأصحاب الحقوق الذين يقفون كل يوم على أبواب مكاتب التأمينات وخطوط الهاتف وصفحات الشكاوى الإلكترونية بحثًا عن إجابة لا تأتى؟
هل ستتحدث عن التطوير الرقمى؟ أم عن التحول التكنولوجى؟ أم عن الخطط المستقبلية؟ أم عن مؤشرات الأداء؟ أم أنك ستتحدث أخيرًا عن الإنسان الذى ضاع وسط كل هذه المصطلحات البراقة؟
لسنا ضد التطوير، ولم يكن أصحاب المعاشات يومًا أعداء للتكنولوجيا، ولم يخرج أحد منهم مطالبًا بالعودة إلى الدفاتر القديمة أو الأقلام الجافة أو الطوابير الطويلة. بالعكس، كل مواطن يحلم بإدارة حديثة تحترم وقته وكرامته وتنجز معاملاته بضغطة زر، لكن ما حدث لم يكن تطويرًا بالمعنى الحقيقى للكلمة، لأن التطوير الذى يهين الإنسان ويعطل حقوقه ويتسبب فى تعذيبه لا يمكن اعتباره نجاحًا مهما كانت الشعارات التى ترفع فوقه.
المشكلة أن بعض المسئولين يتعاملون مع الأرقام والبرامج باعتبارها الهدف النهائى، بينما الحقيقة هى أن البرامج مجرد أدوات، أما الهدف فهو خدمة البشر، وعندما يتحول البرنامج إلى عبء على المواطن، وعندما يصبح صاحب الحق هو الضحية، فإن هناك خللًا كبيرًا يجب الاعتراف به قبل البحث عن تبريرات له.
لقد قيل الكثير عن النظام الجديد، وقيل إنه سيُحدث نقلة نوعية، وقيل إنه سيقدم عشرات الخدمات الجديدة، وقيل إنه سيحل المشكلات المزمنة، لكن ما الذى رآه الناس على الأرض؟ رأوا تأخيرًا فى إنجاز المعاملات، وتعطلًا فى صرف مستحقات، وحالات لا تجد من يجيب عنها، ومواطنين يدورون فى حلقة مفرغة بين المكاتب والشكاوى والوعود.
وأنا هنا لا أتحدث عن قصة سمعتها من الآخرين، بل عن تجربة شخصية عشتها بكل تفاصيلها المؤلمة.
أنا واحد من هؤلاء الذين أعطوا عمرهم للدولة المصرية، سنوات طويلة قضيتها فى العمل الصحفى، كتبت آلاف المقالات والتقارير والتحقيقات، شاركت فى الحياة العامة والسياسية، انشغلت بالأدب والشعر والثقافة، كنت دائمًا مؤمنًا بأن خدمة الوطن ليست مجرد وظيفة بل رسالة، دفعت من عمرى وصحتى وجهدى ما يكفى لأشعر بأن لى حقًا محترمًا عند هذه الدولة عندما أصل إلى سن المعاش.
لكننى وجدت نفسى فجأة أقف فى موقع مختلف تمامًا، وجدت نفسى أبحث عن حقى المشروع وكأننى ألتمس صدقة، أتابع الإجراءات وأنتظر الردود وأصطدم بالعقبات، أشعر بالعجز وقلة الحيلة، أشعر بأن سنوات الكفاح كلها تتراجع أمام شاشة كمبيوتر لا تستجيب أو إجراء لا يكتمل أو وعد يتأجل يومًا بعد يوم.
إن القضية هنا ليست مجرد مبلغ مالى متأخر، رغم أهمية المال فى حياة أى متقاعد يعتمد على معاشه لتدبير احتياجاته اليومية، القضية أعمق من ذلك بكثير.. 
القضية هى الكرامة..
قبل حقى المالى أطالب بحقى فى الاحترام، أطالب بأن تنظر الدولة لى باعتبارى مواطنًا أدى ما عليه من واجبات، أطالب بأن أشعر بأن السنوات التى قضيتها فى خدمة المجتمع لم تذهب هباء، أطالب بأن أجد مؤسسة عامة تعتبرنى إنسانًا له قيمة وليس رقمًا فى قاعدة بيانات. أى مسئول يستطيع أن يتحدث عن اللوائح والبرامج والإجراءات، لكن من يتحدث عن الإحساس القاسى الذى يعيشه صاحب المعاش عندما يتأخر حقه؟ من يتحدث عن الرجل الذى ينتظر معاشه ليشترى دواءه؟ من يتحدث عن الأسرة التى تعتمد على هذا الدخل المحدود؟ من يتحدث عن الإحباط الذى يتسلل إلى النفوس عندما يشعر المواطن بأن الدولة التى خدمها طويلًا لا تسمعه ولا تراه؟
إن أخطر ما تسببه هذه الأزمة ليس الضرر المالى وحده، بل الضرر المعنوى، عندما يشعر المواطن بالإهانة تتآكل الثقة، وعندما يشعر بالعجز تتراجع قيمة الانتماء، وعندما يشعر بأن حقه البسيط يحتاج إلى معركة طويلة للحصول عليه، فإن العلاقة بين الدولة والمواطن تتعرض لجرح عميق.
لهذا فإن السؤال الحقيقى الذى ينتظر المصريون سماعه تحت قبة البرلمان ليس: كم جهازًا تم تركيبه؟ ولا كم برنامجًا تم تشغيله؟ ولا كم تقريرًا فنيًا تم إعداده؟
السؤال الحقيقى هو: متى ستعود الحقوق إلى أصحابها؟ ومتى ستنتهى معاناة المتضررين؟ ومتى ستتم محاسبة من تسبب فى هذه الفوضى إن ثبت وجود تقصير؟ ومتى ستدرك الإدارة أن نجاح أى نظام لا يقاس بعدد الشاشات المضيئة، بل بعدد المواطنين الذين خرجوا من المؤسسة وقد حصلوا على حقوقهم كاملة وفى الوقت المناسب؟
إن البرلمان أمام فرصة مهمة لكى يمارس دوره الرقابى الحقيقى، ليس المطلوب جلسة علاقات عامة، وليس المطلوب عرضًا دعائيًا جديدًا عن مزايا النظام، المطلوب كشف الحقائق كاملة أمام الشعب، المطلوب جدول زمنى واضح لإنهاء المشكلات، المطلوب تعويض الثقة التى تآكلت، المطلوب قبل كل شىء الاعتراف بأن هناك أزمة حقيقية يعيشها الناس يوميًا.
أما أصحاب المعاشات فهم لا يطلبون المستحيل، لا يطلبون امتيازات خاصة، لا يطلبون منحًا أو هبات، إنهم يطلبون فقط ما كفله لهم القانون وما دفعوا ثمنه من أعمارهم وجهدهم واشتراكاتهم، يطلبون حقهم، ويطلبون الاحترام.. وهذان مطلبان لا يجوز لأى دولة تحترم نفسها أن تتأخر فى تلبيتهما.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق