Advertisement
ولعلّ اللافت في هذا الملف أنّ الاعتراضات لم تعد محصورة ضمن الأوساط التربوية أو بين الطلاب والأهالي المتضررين مباشرة من القرار، بل تمددت تدريجياً لتشمل نواباً وتربويين وشخصيات عامة وجهات مختلفة لا يجمع بينها موقف سياسي واحد بقدر ما يجمعها القلق من التداعيات المحتملة لهذا الخيار. وهو ما عكس حجم التحول الذي شهده الملف، بعدما خرج من إطار النقاش الأكاديمي التقليدي ليتحول إلى قضية رأي عام فرضت نفسها على مختلف المستويات. حتى بعض الفنانين وجدوا أنفسهم على خط هذا السجال، معتبرين أنّ سلامة الطلاب يجب أن تتقدم على أي اعتبار آخر، في موقف عكس حجم القلق الذي بات يرافق هذا الملف خارج الأوساط التربوية أيضاً.
والأخطر أنّ وزيرة التربية لم تتعامل مع موجة الاعتراضات المتصاعدة بوصفها مؤشراً يستدعي إعادة النظر أو المراجعة، بل بدا وكأنها تعاملت معها كسبب إضافي للتمسك بالقرار. فكلما ارتفعت الأصوات المحذرة من المخاطر الأمنية والنفسية والتربوية المحيطة بهذا الاستحقاق، ازداد الخطاب الرسمي تمسكاً به، الأمر الذي حوّل النقاش تدريجياً من جدل حول الامتحانات نفسها إلى جدل حول أسباب الإصرار عليها، وحول مدى قدرة الوزارة على الإنصات لمخاوف الناس والتفاعل معها.
وأكثر ما عمّق هذه المخاوف أنّ الوقائع الميدانية نفسها كانت تتولى الرد على كل محاولات التقليل من خطورة الوضع. فالغارة الإسرائيلية التي وقعت على مقربة من أحد المراكز المطروحة لاستضافة الامتحانات في مدينة صيدا أعادت النقاش إلى نقطة أكثر حساسية تتعلق بقدرة أي جهة كانت على تقديم ضمانات فعلية في ظل واقع أمني متقلب. فحين يصبح مركز امتحاني مطروحاً ضمن نطاق منطقة شهدت استهدافاً مباشراً، لا يعود السؤال متعلقاً بعدد المراقبين أو آليات التنظيم، بل بمن يملك القدرة على ضمان ألا يتحول يوم الامتحان نفسه إلى يوم يدفع فيه الطلاب وأهاليهم ثمن عدوان لا يملكون أي قدرة على التحكم بمساراته. وما يزيد من حساسية هذا السؤال أنّ الجهات المعنية نفسها لا تملك القدرة على تقديم ضمانات مطلقة في مواجهة عدو مفتوح على كل الاحتمالات، لا تحكمه قواعد ثابتة ولا يمكن التنبؤ بمساراته أو حدود تصعيده.
وإذ أثار رفض طلبات تقدمت بها جامعات لإجراء الامتحانات عن بُعد في بعض المناطق الأكثر تأثراً بالأوضاع الأمنية، لا سيما في صيدا والنبطية وصور، مزيداً من علامات الاستفهام حول المقاربة التي تعتمدها وزارة التربية في إدارة هذا الملف، تعزز لدى شريحة واسعة من اللبنانيين الانطباع بأن الوزارة تتعامل مع الأزمة من زاوية إدارية بحتة، فيما ينظر إليها المتضررون باعتبارها قضية ترتبط مباشرة بسلامة أبنائهم ومستقبلهم. فالمعترضون لا يتحدثون عن طلاب يرفضون التقدم للامتحانات أو يبحثون عن تسهيلات استثنائية، بل عن آلاف التلامذة الذين عاشوا خلال الأشهر الماضية بين النزوح والتهجير والخوف المستمر وعدم الاستقرار النفسي، واضطر بعضهم إلى ترك منزله فيما أكمل آخرون عامهم الدراسي في ظروف تختلف جذرياً عن تلك التي عاشها زملاؤهم في مناطق أخرى.
ولم يقتصر الغضب على الأوساط التربوية، بل امتد إلى البيئة الجنوبية التي شعرت بأن أبناء المناطق الأكثر تضرراً من الحرب هم الذين سيتحملون العبء الأكبر لهذا القرار. وقد انعكس ذلك في تصاعد التساؤلات الموجهة إلى نواب "الثنائي الشيعي" حول سبب غياب أي تحرك جدي في مواجهة قرار يمس بصورة مباشرة آلاف الطلاب في مناطقهم. كما برزت حالة استياء لدى شريحة من الذين اعتبروا أنّ هذا الملف يستحق موقفاً أكثر وضوحاً وفاعلية من القوى السياسية التي تمثل هذه المناطق، لا سيما أنّه يتعلق بمستقبل طلاب عاشوا خلال الأشهر الماضية ظروفاً استثنائية وقدموا أثماناً باهظة بفعل الحرب وتداعياتها. وفي نظر هؤلاء، فإن حجم المعاناة التي مرت بها هذه المناطق كان يفترض أن يوازيه حجم مماثل من الضغط السياسي والسعي إلى فرض مقاربة استثنائية تراعي واقع الطلاب وظروفهم، لا أن يبقى الملف محصوراً في إطار الاعتراضات الشعبية والتربوية وحدها.
وفي خضم هذا السجال، برز موقف مقرر لجنة التربية النيابية النائب الدكتور إدغار طرابلسي الذي حذر من المخاطر المرتبطة بإجراء الامتحانات في ظل الظروف الراهنة، معتبراً أنّ المدارس تبقى عرضة للاستهداف وأن الجيش لا يستطيع تقديم ضمانات مطلقة لأمن أي منطقة أو مركز امتحاني، داعياً إلى البحث عن بدائل تأخذ في الاعتبار الواقع الاستثنائي الذي يعيشه الطلاب. وفي المقابل، لم يذهب نقيب المعلمين نعمه محفوض إلى حد المطالبة بإلغاء الامتحانات بصورة مسبقة، لكنه شدد على أنّ القرار النهائي يقع على عاتق الدولة، في موقف يعكس إدراكاً لحساسية الملف وتعقيداته.
ومع استمرار تمسك الوزارة بخيارها، بدأت تظهر أسئلة إضافية تتجاوز الجانب التربوي المباشر. فثمة من يطرح تساؤلات حول الخلفيات التي تدفع إلى هذا الإصرار رغم اتساع دائرة الاعتراضات، وحول ما إذا كانت هناك اعتبارات إدارية أو مالية أو التزامات مرتبطة بهذا الاستحقاق تجعل التراجع عنه أمراً غير مطروح. كما برزت نقاشات أخرى تتعلق بالمسؤوليات القانونية المترتبة على أي تطور أمني محتمل، وببعض القرارات الإدارية التي اعتبرها منتقدون محاولة لنقل جزء من المسؤولية إلى الأهالي بدل أن تبقى مسؤولية الدولة والوزارة بصورة كاملة. وهي كلها أسئلة بقيت حتى الآن من دون أجوبة واضحة قادرة على تبديد الشكوك أو تهدئة المخاوف، الأمر الذي ساهم في توسيع دائرة الجدل بدل احتوائها.
وفي النهاية، قد تتمكن وزيرة التربية ريما كرامي من فرض قرارها، وقد تنجح في إجراء الامتحانات الرسمية في مواعيدها المحددة. إلا أنّ ما كشفته هذه الأزمة يتجاوز بكثير مصير الامتحانات نفسها، إذ أظهرت حجم الفجوة بين من يتخذ القرار ومن يتحمل تبعاته، وبين مقاربة إدارية تتعامل مع هذا الملف بالأرقام والتعاميم والمواعيد، وواقع إنساني أكثر تعقيداً تعيشه آلاف العائلات والطلاب يومياً. ومن هنا، تبدو الوزيرة التي تطالب آلاف الطلاب بالنجاح في الامتحانات الرسمية وكأنها أخفقت في الامتحان الذي يسبق كل امتحان آخر: امتحان الإنسانية. فالمسألة لم تكن يوماً مرتبطة بآلية إجراء الامتحانات أو مواعيدها بقدر ما ارتبطت بالقدرة على رؤية الناس خلف الملفات، والطلاب خلف الجداول، ومعاناة العائلات خلف القرارات. ولذلك، فإن ما كشفت عنه هذه المعركة لم يكن مجرد خلاف حول استحقاق تربوي، بل سقوطاً مدوياً في اختبار كان يفترض أن يكون الأسهل على أي مسؤول يتولى إدارة قطاع يرتبط بمصير جيل كامل ومستقبله واستقراره النفسي قبل أي شيء آخر.










0 تعليق