Advertisement
القاعدة الأولى التي سعت إيران إلى تكريسها تتمثل في الربط المباشر بين استهداف الضاحية الجنوبية والرد الإيراني على إسرائيل. فبدلاً من حصر المواجهة في الإطار اللبناني أو اعتبارها شأناً يخص حزب الله وحده، أرادت طهران إيصال رسالة مفادها أن أي استهداف للضاحية لم يعد حدثاً منفصلاً، بل يمكن أن يستدعي رداً إيرانياً مباشراً أو غير مباشر. وهذه معادلة جديدة تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها.
أما القاعدة الثانية فتتمثل في ربط جبهة لبنان بالجبهة الإيرانية وبمسار المفاوضات الأميركية الإيرانية. فالتطورات الميدانية الأخيرة أوحت بأن الساحات لم تعد منفصلة كما كانت في السابق، وأن أي تصعيد ضد الحلفاء الإقليميين لإيران قد ينعكس على طبيعة التعاطي الإيراني في ملفات أخرى، وفي مقدمتها العلاقة مع واشنطن والمفاوضات الدائرة بين الطرفين.
الهدف الثالث يبدو مرتبطاً بمحاولة كشف السقف الأميركي بشكل أكبر. فطهران تدرك أن قدرتها على الحركة تتوقف إلى حد كبير على حجم الرد الأميركي وحدوده. ومن خلال رفع مستوى الاشتباك تدريجياً، تسعى إلى اختبار مدى استعداد واشنطن للذهاب نحو مواجهة أوسع، أو الاكتفاء بإدارة التصعيد ضمن حدود معينة. وكلما ظهر أن الولايات المتحدة غير راغبة في الانخراط المباشر، ازدادت مساحة الحركة المتاحة أمام إيران وحلفائها.
أما القاعدة الرابعة، والأكثر أهمية ربما، فتتمثل في بدء الحديث عن أن الردود المحتملة قد لا تقتصر على الرد على استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، بل قد تشمل أيضاً الرد على القصف الاسرائيلي لجنوب لبنان. وهذا ما أوحت به مضامين التصريحات والبيانات الصادرة عن الجهات العسكرية الإيرانية، وخصوصاً ما نُقل عن مقر خاتم الأنبياء، حيث برزت إشارات إلى توسيع نطاق المعادلات القائمة وعدم حصرها بالضاحية.
وفي ضوء هذه التطورات، يبدو أن إيران تتحرك بثقة أكبر نحو تثبيت هذه القواعد الجديدة. كما أن بعض التصريحات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب توحي بأن واشنطن لا تسعى حالياً إلى مواجهة شاملة، وهو ما قد يمنح طهران فرصة إضافية لترسيخ أهدافها السياسية والعسكرية. لذلك تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على اختبار حقيقي لهذه المعادلات الجديدة، ومدى قدرة مختلف الأطراف على فرضها أو تعديلها على أرض الواقع.










0 تعليق