لم أخشَ يومًا على مصر من عدو يقف على حدودها بقدر خوفي عليها من تصدعٍ يحدث داخلها دون أن ينتبه إليه أحد، فبعد أحداث يناير عام 2011م، كنت أرى أن أي نظام حكم جديد، أيًا كان توجهه أو انتماؤه، يجب أن يبدأ من نقطة واحدة لا غير، وهي إعادة بناء الإنسان المصري.
لم تكن رؤيتي قائمة على رفض الطرق أو المصانع أو المدن الجديدة، بل كنت أؤمن أن كل ذلك سيظل ناقصًا ما لم يسبقه مشروع أكبر وأعمق لإعادة بناء العقل المصري والوجدان المصري والسلوك المصري.
كنت أرى أن مصر تحتاج إلى إصلاح خمس منظومات كبرى تشكل العمود الفقري لأي دولة تسعى إلى النهضة الحقيقية: التعليم، والإعلام، والثقافة، والعدالة، والأخلاق والقيم، والأخيرة بلا شك مرتبطة بتطوير الخطاب الديني وإصلاحه.
فلا قيمة لقطار سريع إذا كان هناك من يتعمد تخريب مقاعده، أو يحاول أن يستقله هاربًا من سداد قيمة تذكرة الركوب، ولا قيمة لشارع حديث التطوير إذا تحوّل بعد أشهر إلى مقلب قمامة، ولا قيمة لمدينة ذكية إذا كان بعض سكانها ما زالوا يفكرون بعقلية تهدم كل ما تبنيه الدولة.
فالحضارة ليست ما يُبنى من أسمنت وحديد فقط، بل ما يُبنى داخل الإنسان نفسه.
ومن هنا كنت أعتقد أن معركة مصر الحقيقية ليست معركة طرق وكباري ومشروعات فقط، بل معركة وعي وهوية وانتماء.
التعليم أولًا، لأنه المصنع الذي ينتج المواطن، فإذا خرج منه جيل فاقد للمعرفة أو التفكير النقدي أو الانتماء الوطني، فلن تستطيع أي مشروعات قومية أن تعالج هذا الخلل.
والإعلام ثانيًا، لأنه المرآة التي يرى الناس من خلالها وطنهم، فإذا تحولت هذه المرآة إلى أداة للضجيج أو الإثارة أو صناعة الانقسام، أصبحت مصدرًا للفوضى بدلًا من أن تكون مصدرًا للوعي.
أما الثقافة فهي الذاكرة الجمعية للأمة، لأنها الحصن الذي يحفظ الشخصية المصرية من الذوبان في هويات مستوردة أو أفكار وافدة لا تراعي خصوصية المجتمع وتاريخه.
ثم تأتي منظومة العدالة، لأنها المصدر الحقيقي لثقة المواطن في دولته، فحين يشعر المواطن أن حقه يصل إليه سريعًا وعادلًا، يزداد انتماؤه للدولة، أما حين يتأخر الحق أو يتعثر، تبدأ الثقة في التآكل تدريجيًا.
أما منظومة الأخلاق والقيم فهي السقف الذي يحمي الجميع، فالقوانين وحدها لا تستطيع أن تحكم مجتمعًا إذا انهارت داخله منظومة الضمير.
وبداية من عام 1905م، ومن بين الأحداث الهامة، بدأت جلسات غير معلنة بين الدول الاستعمارية الكبرى الاستعمارية في ذاك الوقت، مثل بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا، البرتغال، من خلال مؤتمر سري انتهت جلساته وخرجت بوثيقته عام 1907م، وهو مؤتمر يرى بعض الباحثين أنه أسهم في رسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع الدولي وإعادة توزيع النفوذ والمصالح الاقتصادية بين القوى الكبرى.
كانت تسمية المؤتمر الاستعماري الذي انعقد في لندن، "مؤتمر كامبل بنرمان"، نسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هنري كامبل بانرمان، وبهدف إيجاد آلية تحافظ على تفوق ومكاسب الدول الاستعمارية، وفي النهاية خرج المجتمعون بوثيقة سرية سموها "وثيقة كامبل"، وقال بعض الكتاب والمفكرين أن هذا المؤتمر يُعد أخطر مؤامرة لتدمير الأمة العربية خاصة والإسلامية عامة، وكان هدفه إسقاط نهضة هذه الأمة، وعدم استقرار المنطقة من خلال زرع كيان صهيوني يراقب الأمة العربية والإسلامية ويكون بمثابة السرطان للوطن العربي بشكل عام وفلسطين بشكل خاص.
ووفقًا لـ "وثيقة كامبل"، فقد اتفقت الدول الاستعمارية الكبرى على تقسيم الوطن العربي وجعل دوله وأقطاره مفككة ومتناحرة، بالإضافة إلى الاتفاق على إنشاء كيان جديد (هو الكيان اليهودي الصهيوني لاحقًا) على الساحل الجنوبي الشرقي للبحر الأبيض المتوسط في قارة آسيا، وتحديدا في الطرف الشرقي لحوض البحر، حيث يحدها البحر من جهة الغرب، ويمتد ساحلها على طول البحر المتوسط ليشكل شريطًا ساحليًا يضم مدنًا رئيسية.
وهذا يعني أن إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم، ويربطهما معًا بالبحر الأبيض المتوسط (وخصوصًا فلسطين)، بحيث يشكل -في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس- قوة معادية لشعوب المنطقة، وصديقة وحليفة للدول الأوروبية ومصالحها؛ هو التنفيذ العملي العاجل للوسائل والسبل المقترحة، وفي نفس الوقت يخلق قلعة متقدمة ترعى المصالح الغربية، وتضمن ضعف المنطقة، وهو ما حدث ويحدث فعلًا بغض النظر عن صحة الوثيقة أو نقدها من بعض الباحثين.
كان من نتائج هذه الوثيقة، بعد مناقشات ومُدارسات عميقة ومطولة، مجموعة من التوصيات التي خرجت عن هذا المؤتمر ومن أهمها:
1- إبقاء الشعوب العربية مفككة وجاهلة ومتناحرة، من خلال حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية، وعدم دعمها في هذا المجال، ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول لامتلاك العلوم التقنية.
2- محاربة أي توجه وحدوي فيها، ولتحقيق ذلك دعا المؤتمر إلى إقامة دولة في فلسطين تكون بمثابة حاجز بشري قوي وغريب ومُعادٍ، يفصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن الجزء الآسيوي، ويحول دون تحقيق وحدة هذه الشعوب وهذه الدولة هي (إسرائيل).
وتم اعتماد النص النهائي من لجنة الاستعمار وجاء فيه:
"على الدول ذات المصلحة أن تعمل على استمرار تأخر المنطقة، وتجزئتها وإبقاء شعوبها مضللة جاهلة متناحرة، وعلينا محاربة اتحاد هذه الشعوب وارتباطها بأي نوع من أنواع الارتباط الفكري أو الروحي أو التاريخي، وإيجاد الوسائل العملية القوية لفصلها عن بعضها البعض، وكوسيلة أساسية مستعجلة ولدرء الخطر، توصي اللجنة بضرورة العمل على فصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي، وتقترح لذلك إقامة حاجز بشري قوي وغريب "دولة إسرائيل" بحيث يشكل في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للاستعمار ومعادية لسكان المنطقة".
واعتمدت "وثيقة كامبل"، على تصنيف العالم إلى ثلاثة أصناف، الأول منها هو العالم الذي يضم الدول الغربية الاستعمارية مع الولايات المتحدة ودول الأمريكيتين وأستراليا، والثاني، الدول التي ينبغي احتواؤها كاليابان وكوريا، والثالث: الدول العربية، التي تتميز بتواجدها على رقعة استراتيجية تتمتع بالمواد الخام التي يمكن الاستفادة القصوى منها، ويربطها ببعضها دين واحد ولغة واحدة، وهذه الدول التي يجب أن تبقى متخلفة ومفككة وفي حاجة إلى العالم من الصنف الأول بشكل دائم، لضمان أقصى انتفاع للدول الاستعمارية من ثرواتها، ولضمان عدم اتحادها فيما بينها وقيامها تحت قيادة واحدة.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس هو: هل توجد مخططات خارجية أم لا؟ بل السؤال الأهم: هل وفرنا بتجاهل تلك المخططات التاريخية، البيئة التي تسمح لأي مخطط خارجي بأن يجد طريقه إلى داخل المجتمع؟
حين ينقسم الناس حول أبسط القضايا اليومية، وحول أمورٍ كانت تُعد لسنوات طويلة من بديهيات المنطق ومسلمات الفهم السليم، يفرض الأمر نفسه بإلحاح: هل جرى العبث بعقولنا إلى الحد الذي حوَّل البديهيات إلى مواضع جدل، والمسلمات إلى ساحات صراع، والمنطق نفسه إلى وجهة نظر قابلة للأخذ والرد؟
وحين تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات معارك لا تنتهي، وحين تصبح كل قضية سببًا جديدًا للكراهية والاستقطاب، وحين ينقسم المجتمع بين معسكرات متصارعة حول الدين أو الفن أو التعليم أو أنماط الحياة أو القيم الاجتماعية، فإن الخطر لا يكون في القضية نفسها، بل في حالة الانقسام التي تنتج عنها!
نجد ذلك في عشرات الملفات التي تثير الجدل يوميًا؛ من قضايا التعليم الخاص واللغات الأجنبية وانهيار الهوية الثقافية واللغة العربية في هذا النوع من التعليم، إلى الجدل الديني والفتاوى الشاذة، إلى المحتوى الفني الهابط، إلى الصراعات التي تصنعها مواقع التواصل الاجتماعي وتغذيها الخوارزميات الباحثة عن الجدل أكثر من بحثها عن الحقيقة.
ورأينا ذلك في قضايا مثل نظم غذائية غير قائمة على أساس علمي مُعتبر يُستغنى بها عن العلاج والدواء في مجتمع يعاني من الفقر وتدني الدخل، فيكون مقبولا له تقبل هذه الخرافات، لأن المواطن لا يتمكن من تجنيب جزء من دخله كميزانية للعلاج.
وفي قضية مثل إطعام كلاب الشوارع، والتي قسمت المجتمع بين مؤيد ومعارض إلى حد التراشق وتبادل الاتهامات وتقديم البلاغات، في مجتمع كان المعروف عنه الوحدة والترابط ومراعاة حقوق الجار وحدود الحرية الشخصية.
كل ذلك يحدث في مجتمع يعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية ومعيشية كبيرة، فيصبح أكثر قابلية للغضب والانقسام والتوتر.
ولعل أخطر ما أنتجه هذا المناخ هو تراجع ثقة المواطن في المؤسسات الحكومية، فالمواطن الذي لا يثق في حصوله على حقه بسهولة يبدأ في البحث عن الواسطة قبل التوجه لأي جهة حكومية، والمواطن الذي لا يثق في كفاءة الإجراءات يبدأ في البحث عن شخص يعرفه داخل كل جهة.
ومع الوقت يُنشئ كل مواطن لنفسه ما يشبه "حكومة موازية" من العلاقات الشخصية يعتمد عليها أكثر مما يعتمد على المؤسسات الرسمية، فيصبح الموظف الذي يعرفه داخل المصلحة هو الوزير الحقيقي بالنسبة له، ويصبح المسؤول الذي يستطيع الوصول إليه أهم من القانون نفسه.
بل إن علاقة بعض المواطنين بممثليهم في البرلمان تتحول من علاقة طلب رقابة وتشريعات جديدة، إلى علاقة خدمات ومصالح شخصية، فيطلب المواطن من النائب أن يتحول إلى سلطة تنفيذية افتراضية، فيتدخل في تنفيذ الحصول على الخدمات بدلًا من أن يراقب أداء السلطة التنفيذية ويعمل على تطوير القوانين.
وهنا تكمن الخطورة، فالدولة الحديثة لا تقوم على الأشخاص، بل على المؤسسات، ولا تقوم على العلاقات، بل على القواعد، ولا تقوم على النفوذ، بل على العدالة.
إن ما أكتبه اليوم لا أراه مجرد مقال رأي، بل أعتبره جرس إنذار ولفت نظر واجبًا إلى كل الجهات المعنية بحماية الأمن القومي المصري. فالأمم لا تُهزم دائمًا بالجيوش، ولا تُستهدف فقط على حدودها، وإنما قد يبدأ استهدافها الحقيقي من داخل نسيجها الاجتماعي، حين تُزرع بينها أسباب الفرقة والانقسام وتُستنزف طاقاتها في صراعات داخلية لا تنتهي.
ولست أستطيع أن أتجاهل التشابه المقلق بين ما يشهده مجتمعنا الداخلي في مصر، وما تشهده مجتمعاتنا العربية اليوم من استقطاب حاد وتفكيك للوعي الجمعي، وبين ما نُسب إلى الرؤى الاستعمارية القديمة التي سعت إلى إبقاء هذه المنطقة ضعيفة وممزقة وعاجزة عن التوحد حول مشروع حضاري جامع، وإذا كانت "وثيقة كامبل بنرمان "، محل جدل بين المؤرخين حول بعض تفاصيلها، فإن ما لا جدال فيه هو أن تفتيت المجتمعات وإشغالها بصراعاتها الداخلية كان ولا يزال أحد أهم أدوات الهيمنة على الأمم.
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس مجرد اختلاف في الرأي، فذلك أمر طبيعي وصحي، وإنما تحويل كل قضية إلى معركة وجود، وكل رأي إلى خندق، وكل خلاف إلى حالة استقطاب دائم، ينقسم معه المجتمع إلى معسكرات متناحرة حول قضايا كان ينبغي أن تُناقش بهدوء وعقلانية، وحين تتحول البديهيات نفسها إلى موضوعات للصراع والخصومة، فإن الأمر يتجاوز حدود الاختلاف الطبيعي ليصبح تهديدًا مباشرًا لتماسك المجتمع واستقراره.
إن احتقان المجتمع، وتمزيقه إلى جماعات وأحزاب أيديولوجية متصارعة، واستدعاء الكراهية في كل مناسبة، هو أمر بالغ الخطورة لا ينبغي الاستهانة به، فالدولة التي تسعى إلى حماية أمنها القومي لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي أيضًا وحدة شعبها، وتحصّن وعيه، وتحافظ على مساحات التوافق الوطني التي تمنع الانقسام من التحول إلى مشروع تفكيك كامل للدولة والمجتمع.
إن مصر التي نجحت في تشييد الطرق والمصانع والمدن الجديدة تحتاج اليوم بالقدر نفسه إلى ثورة هادئة في التعليم، وثورة أعمق في الثقافة، وإعلام يصنع الوعي لا الضجيج، وعدالة أسرع وأكثر كفاءة، ومنظومة قيم تعيد الاعتبار لفكرة المسؤولية والانتماء.
فبناء الحجر يمكن أن يتم خلال سنوات... أما بناء الإنسان فهو المشروع الأصعب والأطول والأبقى أثرًا.
وإذا كانت الأمم تُقاس بما تملك من مبانٍ ومنشآت، فإن الحضارات تُقاس بما تملك من إنسان.
ومصر، لكي تحجز مكانها الذي يليق بتاريخها ومستقبلها، تحتاج اليوم إلى استكمال معركة البناء من داخل الإنسان نفسه، لأنه يبقى دائمًا خط الدفاع الأول... وخط الدفاع الأخير.












0 تعليق