الانشقاقات تضرب قوات الدعم السريع.. مناورة ذكية للجيش أم قنبلة قبلية موقوتة؟

تحيا مصر 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تشهد الساحة السودانية حالة من الغليان السياسي والعسكري عقب توالي انشقاقات قادة ميدانيين بارزين عن قوات الدعم السريع وانضمامهم المفاجئ إلى صفوف القوات المسلحة السودانية، الأمر الذي أثار موجة عارمة من الجدل والتحليلات حول طبيعة هذه الخطوات وما إذا كانت تمثل مناورة عسكرية مدروسة لتفكيك الميليشيا من الداخل أم مغامرة غير محسوبة العواقب قد تعمق الأزمة المعقدة وتزيد من حدة الصراعات الداخلية المتشابكة

​حسب تقرير لموقع اندبندنت عربية الإخباري فإن هذه الانشقاقات المتسارعة شملت أسماء بارزة ارتبطت فترات قيادتها بمعارك دامية وممارسات شرسة في مناطق متفرقة من البلاد، مما يثير مخاوف حقيقية لدى الشارع السوداني والخبراء الدوليين من تحول هؤلاء المنشقين إلى قنابل موقوتة تهدد النسيج الاجتماعي الهش وتساهم في تكريس سياسة الإفلات من العقاب وضياع حقوق الضحايا الذين سقطوا خلال المواجهات المسلحة الدامية

​وتأتي هذه التحولات الميدانية المفاجئة في وقت حساس للغاية من عمر الصراع السوداني حيث يسعى كل طرف لتحقيق مكاسب استراتيجية على الأرض، بينما تبرز بوضوح الدوافع المادية والقبلية وراء قرارات القادة المنشقين الذين وجدوا أنهم في مواجهة مباشرة مع قيادة قوات الدعم السريع بسبب الخلافات الحادة حول توزيع الغنائم والمناصب الإدارية الرفيعة والصلاحيات الطبية الممنوحة للمقاتلين المصابين في المعارك الشرسة

​ويشير الخبراء المتابعون للملف السوداني إلى أن ترحيب قيادة الجيش بالمنشقين وفتح الأبواب لهم دون شروط مسبقة أو محاسبة قضائية واضحة قد ينعكس سلبا على تماسك الجبهة الداخلية الداعمة للمؤسسة العسكرية، خصوصا أن دماء الضحايا ما زالت تؤجج مشاعر الغضب والرفض القاطع لأي تصالح سياسي أو عسكري مع قادة متورطين في فظائع وجرائم موثقة دوليا ومحليا في إقليم دارفور المنكوب

​ذاكرة المذابح والجرائم الإنسانية في دارفور وكردفان

​تبرز في واجهة الأحداث الأخيرة قصة انشقاق القيادي البارز النور أحمد آدم المعروف في الأوساط العسكرية بلقب النور القبة والذي كان يقود العمليات الحربية لصالح قوات الدعم السريع في شمال دارفور، حيث قاد الهجوم العنيف والشرس الذي انتهى بالسيطرة الكاملة على مدينة الفاشر وهي المعركة التي شهدت فظائع إنسانية ومذابح كبرى أكدت التقارير الأممية أنها ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية الممنهجة ضد المدنيين

​ولم يقتصر الأمر على القبة بل تبعه سريعا قادة ميدانيون نافذون آخرون من أبرزهم علي رزق الله الشهير بلقب السافنا وبشارة الهويرة الذي قاد عمليات عسكرية دموية في كردفان غرب السودان، حيث تجسد هذه الانشقاقات حالة من التصدع الداخلي العميق في هيكلية الميليشيا وتكشف عن حجم الخلافات العميقة التي تعصف بالقيادة الميدانية نتيجة تهميش بعض المكونات القبلية لصالح عشيرة قائد الميليشيا

​وترى الباحثة المتخصصة في الشؤون السودانية خلود خير أن انشقاق هؤلاء القادة لا يعود إطلاقا إلى تحول فكري أو عقائدي أو صحوة ضمير وطنية، بل يرتبط بشكل مباشر بعدم تلبية مطالبهم الشخصية الرامية للحصول على مكاسب سياسية ومالية أكبر حيث رفضت قيادة قوات الدعم السريع تعيين القبة محافظا لشمال دارفور كما رفضت طلب السافنا للحصول على أموال طائلة والعلاج خارج البلاد

​وقد خرج السافنا في مقابلات تلفزيونية عقب انشقاقه ليوجه انتقادات لاذعة وحادة لطريقة إدارة العمليات العسكرية وهستيريا السيطرة التي يمارسها عبد الرحيم دقلو شقيق قائد قوات الدعم السريع، متهما إياه بالاستئثار المطلق بالقرارات القتالية الحساسة والموارد المالية والتسليح النوعي ومنع الصلاحيات المرتبطة بعلاج الجرحى والمصابين من أبناء القبائل الأخرى التي تشارك في القتال الدامي في جبهات مختلفة

​العمل الاستخباراتي وتفكيك الميليشيا من الداخل

​في المقابل أكد مصدر عسكري رفيع في الجيش السوداني أن عملية انشقاق القبة والسافنا جاءت نتاجا لعمل استخباراتي معقد ودقيق أشرفت عليه الأجهزة الأمنية بهدف تفكيك قوات الدعم السريع من الداخل، واعدا بحدوث موجة جديدة وضخمة من الانشقاقات في صفوف المقاتلين والقيادات الميدانية خلال الفترة المقبلة بفضل التنسيق المستمر والاتصالات السرية التي تجريها قيادة القوات المسلحة خلف الكواليس لتسريع حسم المعركة الصعبة

​وقد أعلن القبة في مؤتمر صحفي حاشد عقده بالعاصمة الخرطوم أن مجموعات قتالية ضخمة وثلاث قيادات رفيعة المستوى رافقته في رحلة الانشقاق والعودة إلى حضن الوطن والمؤسسة العسكرية الرسمية، في حين رافقت السافنا أعداد مقدرة من المسلحين المدربين مما يشير إلى انتقال قوة عسكرية معتبرة بكامل عتادها وسلاحها من معسكر الميليشيا المتمردة إلى معسكر الجيش السوداني في مناطق التماس الملتهبة

​وينذر هذا الانتقال السريع للمسلحين الذين حاربوا بضراوة لسنوات طويلة في صفوف قوات الدعم السريع إلى مناطق سيطرة الجيش بمواجهات محتملة وصدامات قبلية وأمنية عنيفة بسبب الإرث العدائي الثقيل والدموي المتراكم بين الطرفين، حيث يرى مراقبون أن وجود هؤلاء المقاتلين في مناطق سكنية بالخرطوم يمثل خطرا داهما وجسيما قد يفجر الأوضاع الإنسانية والأمنية الهشة في أية لحظة

​وتتزايد المخاوف من أن يؤدي هذا التداخل العسكري الجديد إلى إضعاف الانضباط العام داخل معسكرات الجيش والوحدات المساندة له خصوصا في ظل غياب آليات واضحة للدمج والتدقيق الأمني والسياسي، مما يجعل خطوة استقبال المنشقين محفوفة بالمخاطر الأمنية الجسيمة التي قد تفوق بكثير الفوائد العسكرية المؤقتة التي حققتها القوات المسلحة في بعض المحاور الاستراتيجية المهمة خلال الأسابيع الأخيرة

​غضب الشارع والعدالة المفقودة إزاء تكريس الإفلات من العقاب

​استقبلت قيادة الجيش السوداني القادة المنشقين بأذرع مفتوحة وحفاوة بالغة أثارت حفيظة واسعة في الشارع حيث التقى القائد العام عبد الفتاح البرهان بالقيادي المنشق القبة في مدينة دنقلا عاصمة الولاية الشمالية فور وصوله مؤمنا بطائرات مسيرة، وأظهرت الصور الموزعة عناقا حارا بين الرجلين يعكس الرغبة الرسمية في تشجيع بقية المقاتلين على اتخاذ خطوات مماثلة وإلقاء السلاح والانضمام لمسيرة البناء الوطني

​وقد تكرر هذا المشهد مرارا وتكرارا على مدار العام الماضي مع قادة آخرين كان أبرزهم أبو عاقلة كيكل قائد قوة درع السودان التي كانت تشكل جزءا حيويا وفعالا من قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة بوسط البلاد، حيث لعب انشقاق كيكل وانضمامه المفاجئ للجيش دورا حاسما ومحوريا في إلحاق هزيمة عسكرية قاسية بالميليشيا واستعادة السيطرة على مناطق استراتيجية واسعة بالجزيرة

​وعلى الرغم من هذه النجاحات العسكرية الميدانية الملموسة إلا أن شريحة واسعة من المواطنين السودانيين والناشطين الحقوقيين ينظرون بعين السخط والرفض المطلق لهذه الاحتفالات الرسمية، ويعبر المواطن عبد الماجد محمد السيد الذي قُتل ابنه الوحيد بدم بارد خلال فترة سيطرة الميليشيا على العاصمة عن استيائه الشديد مؤكدا أن مشاهد الاحتفاء بأمثال القبة والسافنا مستفزة للغاية ولن يتصالح مع القتلة

​وانتقدت الناشطة السودانية البارزة هالة القريب غياب أية آلية واضحة ومحاسبة حقيقية من جانب الجيش للمسؤولين عن الفظائع والانتهاكات الجسيمة المرتكبة في حق الشعب السوداني، معتبرة أن هذا السلوك يكرس لسياسة الإفلات من العقاب ويجعل المواطن يشعر بالخذلان الشديد من المؤسسة التي يفترض بها حمايته والدفاع عن حقوقه المغتصبة وصون كرامته الجريحة وسط وطأة الحرب المدمرة

​مخاطر الانقسامات القبلية والمواجهات الدامية في دارفور

​وترى الباحثة خلود خير أن هذا التعامل المثير للجدل يكشف عن نظرة متشابهة لبعض القضايا بين الجيش وقوات الدعم السريع مما يهدد بإحداث انقسامات عميقة وخطيرة داخل معسكر الجيش نفسه الذي يضم قادة بارزين مثل حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي الذي يتزعم قبائل كبرى تعرضت لمذابح وتصفيات عرقية بشعة على أيدي القوات المنشقة حديثا مما ينذر باشتعال صراعات قبلية جانبية

​وفي المقابل قلل المستشار السياسي لقائد الميليشيا الباشا طبيق من الأهمية العسكرية لهذه الانشقاقات المتتالية مؤكدا أنها لن تؤثر مطلقا في تماسك وقوة قوات الدعم السريع في الميدان لأن القبة والسافنا لم يكن لهما تأثير حقيقي أو ثقل عسكري كبير في إدارة المعارك الحالية، معتبرا الخطوة مجرد محاولات يائسة من الجيش لإحداث اختراق إعلامي ونفسي في صفوف المقاتلين

​لكن الواقع على الأرض يثبت عكس ذلك تماما حيث تترجم هذه الخلافات والتباينات القبلية والعرقية المتصاعدة إلى مواجهات مسلحة دامية واشتباكات عنيفة بين القبائل الداعمة للميليشيا مثل قبيلتي السلامات وبني هلبة في جنوب دارفور، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى وتدمير الممتلكات العامة والخاصة في ظل اتهامات مستمرة للاستخبارات العسكرية بالوقوف وراء إشعال الفتن القبلية

​وتؤكد التقارير الصادرة عن منظمات تتبع النزاعات وجود تمييز عرقي وممارسات اضطهاد ممنهجة داخل قوات الدعم السريع ضد أفراد القبائل المختلفة عن قبيلة آل دقلو الحاكمة للميليشيا، حيث يتلقى هؤلاء القادة مكاسب مالية أقل ويعاملون بطريقة مهينة ومجحفة مما يمثل دافعا وحافزا قويا لتصاعد وتيرة الانشقاقات والتمرد الداخلي هربا من أحكام الإعدام والمصير المظلم داخل سجون دارفور المروعة

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق