مجنون شهرة!

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في كتب علم النفس قرأنا أن الحاجة إلى الاهتمام أمر طبيعي لدى البشر، وما دام الأمر طبيعيًا فليست هناك مشكلة.

والحقيقة أنه توجد مشكلة، والمشكلة تبدأ حين تتحول الرغبة في التقدير إلى إدمان للظهور، وحين يصبح الإنسان مستعدًا لفعل أي شيء، أو التواجد في أي مكان، أو ارتداء أي قناع، فقط ليبقى تحت الأضواء.

هناك أناس يسعون إلى النجاح، وأناس يسعون إلى التقدير، وآخرون يجتهدون في ترك أثر حقيقي في هذه الحياة. وهناك أيضًا من لا يريد نجاحًا ولا إنجازًا ولا أثرًا؛ كل ما يريده هو أن يراه الناس!

بعض الأشخاص لا يتحملون فكرة أن تمر مناسبة عامة دون أن يكونوا جزءًا منها، ولا يطيقون أن تتجه الكاميرات إلى غيرهم، يبحثون عن العدسة كما يبحث العطشان عن الماء، فإذا غابت عنهم الأضواء شعروا وكأنهم اختفوا أو تلاشوا من الوجود.

نعود إلى علم النفس ونقول...

إن العلماء فسروا هذه الحالة بما أسموه "التعويض النفسي"، حيث يحاول الفرد سد فراغ داخلي أو شعور بالنقص عبر جذب انتباه الآخرين.
فتصبح الشهرة بالنسبة له ليست وسيلة، بل هي في حد ذاتها الغاية، مهما كانت الطريقة ومهما كان الثمن.

تكمن المأساة هنا، أن الشهرة في معناها الحقيقي كانت دائمًا نتيجة لجهد مبذول أو موهبة ممنوحة؛ فن أو علم أو رياضة أو حتى عمل نافع. أما اليوم فقد أصبح بعض الناس يبحثون عن الشهرة أولًا، ثم يفكرون بعد ذلك ماذا سيفعلون بها...

الشهرة أولًا ويكون لها ما بعدها!

هذا مما عمت به البلوى في زمن الفضائيات والنت، والريتش والترند، الله يخربيت الترند!
فتجد الواحد منهم حاضرًا في كل مشهد، متصدرًا كل لقطة، وكأن لديه قدرة خارقة على الظهور في الأماكن التي تلتف حولها الكاميرات. لا يهمه موضوع الحدث بقدر ما يهمه أن يكون جزءًا من الصورة، وأن يراه الناس، وأن يتساءلوا عنه، ولو للحظات.

وجوه تذكرك فور رؤيتها بشخصيات سينمائية خالدة جسدت حب الظهور والبحث عن المكانة دون امتلاك مقوماتها؛ شخصيات كانت تثير الضحك على الشاشة، لكنها في الواقع تثير التساؤل والحيرة.

كيف استطاع علي بيه مظهر مثلًا إقناع الموجودين في سرادق العزاء بأن علاقته قوية بالوزير الذي جاء لأداء واجب العزاء، بعد أن ظن الوزير أنه أحد أقرباء المتوفى؟!

وكيف تمكن مسعود أبو السعد في فيلم أرض النفاق من إقناع وكيل الوزارة الذي وقف يتلقى العزاء في إحدى قريباته، أنه حزين على الفقيدة أكثر من أبنائها ومن كل ذويها وأقربائها، بمن فيهم وكيل الوزارة ذاته؟!

المشكلة أن هذا السلوك لا يضر صاحبه وحده، بل يساهم في تشويه مفهوم النجاح لأبنائنا وبناتنا. فحين يرى الشباب أن بعض الأشخاص يحصدون الاهتمام لمجرد الظهور، قد يظنون أن الإنجاز أصبح أمرًا ثانويًا، وأن المهم هو أن تكون معروفًا لا أن تكون متفوقًا أو مفيدًا.
والحقيقة...

إن الأضواء مؤقتة، عابرة، زائلة، أما قيمة الإنسان فتبقى فيما يقدمه لا فيما يظهره، ولذلك هي باقية.

الناس قد تتذكر الوجه لبعض الوقت، لكنها لا تنسى صاحب الإنجاز.

والسؤال الآن: ماذا لو انطفأت الكاميرات؟ ماذا لو "خربت" الموبايلات؟ ماذا لو أفلست مواقع التواصل وأغلقت أبوابها؟!

ماذا سيتبقى من الشهرة؟

وأين سيذهب مجنون الشهرة؟!

حفظ الله مصر وأهلها.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق