تُعد القوات المسلحة المصرية ركيزة الاستقرار وحامية السيادة، ولكن فى العقد الأخير تبلورت رؤية استراتيجية جديدة حول دور المؤسسة العسكرية، لتتحول من كونها مجرد حائط صد أمام الأخطار الخارجية إلى شريك فاعل فى معركة التنمية الشاملة.
إن انخراط القوات المسلحة فى مشروعات قومية كبرى ليس خروجًا على عقيدتها القتالية، بل تطبيق عملى لمفهوم الأمن القومى الشامل، حيث لا استقلال لدولة لا تملك مقومات اقتصادها ولا تستطيع تأمين احتياجات مواطنيها الأساسية.
ويتميز دور القوات المسلحة بالسرعة والانضباط والقدرة على التنفيذ، وتمتلك القوات المسلحة بنية إدارية وهندسية قادرة على تحويل الرؤى السياسية إلى واقع ملموس فى أزمنة قياسية، وهو ما رأيناه فى مشروعات حفر قناة السويس الجديدة وشبكات الطرق القومية، حيث كانت الحاجة مُلحة للالتفاف حول تحديات الترهل البيروقراطى وتأخر الإنجاز.
وتوفر المؤسسة العسكرية بيئة عمل تخضع لأعلى معايير الرقابة والالتزام بالجدول الزمنى والمواصفات الفنية، ما يقلل من نسب الهدر المالى والزمنى التى تعانى منها المشروعات العامة فى كثير من الأحيان.
وفى الكثير من الأحيان، تعمل القوات المسلحة فى مناطق ذات طبيعة أمنية خاصة، مثل سيناء أو المناطق الحدودية، حيث يكون وجود الهيئة الهندسية للقوات المسلحة ضمانة أمنية ولوجستية لا يستطيع القطاع الخاص توفيرها بمفرده. ولا يمكن تحقيق نهضة اقتصادية دون بنية تحتية قوية.
لقد تولت القوات المسلحة ملف شبكة الطرق القومية، التى تعتبر العمود الفقرى لأى استثمار، ولم يكن الهدف مجرد رصف طرق، بل ربط الدلتا بالصعيد، والمدن الجديدة بموانئ التصدير. هذه الطرق أدت إلى خفض زمن النقل، ما انعكس إيجابًا على تكلفة السلع. وكذلك خلق مجتمعات عمرانية، وفتحت الطرق آفاقًا لاستصلاح أراضٍ جديدة وبناء مدن جاذبة للسكان، ما خفف الضغط عن القاهرة الكبرى.
وتدرك القيادة السياسية أن الغذاء هو أمن قومى بامتياز، وفى هذا السياق قادت القوات المسلحة مشروعات كبرى مثل الدلتا الجديدة ومشروعات الاستزراع السمكى.
ومشروع الدلتا الجديدة هو ملحمة زراعية تستهدف استصلاح ملايين الأفدنة، وتعتمد القوات المسلحة فيه على التكنولوجيا الحديثة فى الرى لترشيد استهلاك المياه، وهو أمر حيوى فى ظل تحديات الأمن المائى التى تواجهها مصر.
كما أسهمت القوات المسلحة فى تأمين السلع الأساسية للمواطنين عبر التوسع فى المجمعات الصناعية الغذائية، ما أسهم فى ضبط الأسواق فى الأوقات التى تشهد اضطرابات فى سلاسل الإمداد العالمية.
ولم تكتفِ المؤسسة العسكرية بالمشروعات الإنشائية، بل امتد دورها لدعم التحول الرقمى والبنية المعلوماتية، من خلال إدارة مراكز البيانات وتأمين الشبكات القومية، حيث تسهم القوات المسلحة فى حماية السيادة الرقمية لمصر، وهو دور خفى، لكنه بالغ الأهمية فى عالم بات فيه الفضاء السيبرانى ميدانًا للمعارك.
ومن المغالطات الشائعة أن دور القوات المسلحة يزاحم القطاع الخاص، والحقيقة أن مشروعات القوات المسلحة تقوم بتشغيل مئات الشركات الخاصة من المقاولين والموردين، هذا التفاعل خلق دورة اقتصادية كبرى أدت إلى تشغيل العمالة، ووفرت المشروعات القومية ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. وأسهم احتكاك الشركات الصغيرة والمتوسطة بمعايير العمل العسكرية فى رفع كفاءتها الفنية والإدارية، ما يجهزها للمنافسة فى الأسواق الإقليمية.
ومع دخول مصر مرحلة الجمهورية الجديدة، يتجه الدور التنموى للقوات المسلحة نحو التحول، هناك توجه واضح نحو تسليم الراية كاملة للقطاع الخاص بمجرد الانتهاء من تأسيس البنية التحتية والمشروعات الاستراتيجية.
إن دور القوات المسلحة فى التنمية هو مرحلة ضرورية فى تاريخ الدولة المصرية، فبينما كانت التحديات تتطلب حزمًا وسرعة، فإن المرحلة المقبلة تتطلب تعميق الشراكات مع القطاع الخاص المصرى والأجنبى، مع استمرار المؤسسة العسكرية فى دورها كصمام أمان يضمن استمرارية المسار التنموى دون انقطاع.
كما أن تجربة مصر فى إشراك قواتها المسلحة فى عملية التنمية هى تجربة استثنائية فرضتها ظروف وطنية دقيقة، لقد أثبتت المؤسسة العسكرية أنها ليست مجرد سلاح، بل عقلية إدارية منظمة تمتلك رؤية شاملة لمستقبل مصر.
ومع مرور الوقت ستظل هذه المشروعات شاهدًا على مرحلة مفصلية، حيث تضافرت سواعد الرجال فى الزى العسكرى مع آمال الشعب فى حياة كريمة، ليصنعوا معًا معجزة اقتصادية فى أرض الكنانة، مؤكدين للعالم أن مصر لا تبنى فقط، بل تزرع الأمل فى قلب الصحراء، وتشق طرقًا نحو مستقبل يليق بتاريخها.
















0 تعليق