شهوة الـ"Like".. عندما يصبح الهاتف الذكي سلاحًا لتدمير الوعي

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

«كشفت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية ملابسات مقطع فيديو جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن....»، «وكشفت التحقيقات أن ذلك بهدف زيادة نسب المشاهدة وتحقيق أرباح مالية من التفاعل على المحتوى».
بين مقدمة وخاتمة بيانات الداخلية، تنحصر أغلب الوقائع التي تكشف عنها الوزارة أن الهاتف الذكي هو سلاح العصر الأخطر، فخلف كل ضغط على زر "لايك" أو مشاركة، تختبئ أزمة وعي تتسع يومًا بعد يوم.

لم يعد الخطر الحقيقي في عصرنا يقتصر على ما يهدد الحدود أو يدمر المنشآت، بل أصبح فيما يستهدف به العقل الإنساني نفسه. هناك معركة صامتة لا تسمع فيها طلقات الرصاص ولا هدير الطائرات، لكنها تترك آثارًا عميقة في العقول والوعي والقيم، معركة تخاض عبر الشاشات الصغيرة التي ترافقنا في كل مكان.

ومن خلال الهاتف الذكي، أصبحت الأفكار تنتشر أسرع من أي وقت مضى، وتتغير القناعات في لحظات، ويصنع الرأي العام أو يوجه بضغطة زر. 
لذلك لم يعد هذا الجهاز مجرد وسيلة للتواصل، بل تحول إلى قوة مؤثرة قادرة على بناء الوعي أو هدمه، وترسيخ الحقيقة أو صناعة الوهم.

وفي ظل هذا الانفتاح الرقمي غير المسبوق، أصبحت المنصات الإلكترونية متاحة للجميع، وهو أمر يحمل جوانب إيجابية لا يمكن إنكارها، إذ أتاح فرصًا واسعة للتعلم وتبادل المعرفة والخبرات.

غير أن الوجه الآخر لهذه الظاهرة كشف عن أزمة متنامية، حيث أصبح من السهل أن يتصدر المشهد أشخاص لا يمتلكون الخبرة أو التخصص، يتحدثون في السياسة والطب والاقتصاد والفن والتجارة وغيرها من المجالات الدقيقة، وكأن المعرفة لم تعد بحاجة إلى دراسة أو تأهيل أو مسؤولية.


نعيش اليوم عصر "الريفيوهات" والتقييمات والآراء السريعة، حيث بات الجميع يملك منصة ورأيًا وجمهورًا، وأصبح هذا المحتوى في كثير من الأحيان وسيلة للتأثير على العقول وتوجيهها. 
في الأصل، كانت هذه المساحات الرقمية تهدف إلى تبادل التجارب وتقديم النصح والمساعدة، لكن الواقع كشف أن جزءًا منها تجاوز هذا الدور، ليتحول إلى أدوات للتأثير الموجه، وتصفية الحسابات، وتشويه السمعة، وضرب المنافسين تحت غطاء النقد أو حرية التعبير.. وهنا تتحول المنصات من فضاءات للتوعية والمعرفة إلى ساحات للصراع والتلاعب بالرأي العام.

والأخطر من ذلك أن المتلقي يجد نفسه يوميًا أمام سيل متدفق من المعلومات والآراء المتناقضة، فيصبح عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين الخبير الحقيقي الذي يتحدث بالعلم والمنطق، وصانع المحتوى الباحث عن الشهرة أو المكاسب.
ومع هذا التدفق المستمر، تتراجع قدرة الفرد على التحقق والتدقيق، ويصبح الوعي ذاته عرضة للتوجيه والتأثير وفق مصالح وأجندات مختلفة.
لقد أصبحنا نعيش زمنًا تختلط فيه الحقائق بالانطباعات، والخبرة بالادعاء، والمعلومة بالشائعة. وأصبح الرأي الشخصي لدى البعض يتقدم على الحقائق والوقائع، بينما تقاس المصداقية بعدد المشاهدات والتفاعلات لا بعمق المعرفة ودقتها.


وهنا تكمن الأزمة الحقيقية، أزمة وعي تتسع يومًا وراء آخر، في ظل غياب الضوابط المهنية والأخلاقية التي تحكم صناعة المحتوى.
ورغم كل ذلك، لا يمكن تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية ما يحدث، فقد قدمت للبشرية إنجازات عظيمة وفتحت آفاقًا غير مسبوقة للتعلم والتواصل والوصول إلى المعرفة.


لكن المشكلة الحقيقية تكمن في طريقة الاستخدام، وفي غياب ثقافة المسؤولية والمحاسبة، وفي استغلال بعض المساحات الرقمية لنشر الجهل والشائعات والمعلومات المضللة تحت شعارات براقة يصعب على الكثيرين التحقق من حقيقتها.


وفي ظل هذا المشهد المعقد، لا يمكن أن تلقى المسؤولية على الفرد وحده، كما لا يمكن للدولة وحدها أن تتحمل العبء كاملًا، بل هي مسؤولية مشتركة تتوزع بين الفرد والمجتمع والدولة.


الفرد مطالب بقدر أكبر من الوعي النقدي، والتحقق من المعلومات قبل تداولها، وعدم الانسياق وراء المحتوى المضلل أو العاطفي دون وعي أو تمحيص.


أما المجتمع، بمؤسساته الإعلامية والتعليمية والثقافية، فعليه دور محوري في إعادة تشكيل الوعي العام، من خلال نشر ثقافة التخصص، وتعزيز احترام الخبرة، والتصدي لظاهرة تسطيح المعرفة وتحويل الرأي إلى بديل عن العلم. كما أن دعم المحتوى المسؤول والهادف أصبح ضرورة لحماية الفضاء الرقمي من الفوضى.


وفي المقابل، تتحمل الدولة مسؤولية وضع الأطر التنظيمية والتشريعية التي تضبط المحتوى المؤثر في الرأي العام، وتحد من نشر الشائعات والمعلومات المضللة، مع ضمان عدم إساءة استخدام حرية التعبير.
إن تكامل هذه الأدوار هو ما يصنع وعيًا حقيقيًا قادرًا على الصمود أمام سيل المعلومات المتضاربة، ويعيد للمعرفة قيمتها، وللحقيقة مكانتها في المجتمع.


لقد هرمنا من كثرة الضجيج وقلة المسؤولية، ومن مشهد تتساوى فيه الخبرة مع الادعاء، والحقيقة مع الشائعة، والمتخصص مع غير المتخصص، لذا فالتوازن بين الحرية والمسؤولية هو الأساس الحقيقي لأي فضاء رقمي صحي ومستقر.


وما أحوجنا اليوم إلى استعادة قيمة الكلمة، وإلى وعي يدرك أن ما ينشر في ثوانٍ قد يترك أثرًا يمتد لسنوات، وأن الهاتف الذكي يمكن أن يكون وسيلة لبناء الإنسان والمجتمع كما يمكن أن يكون أداة لإضعافهما.


ويبقى السؤال: هل نتحرك اليوم لحماية الوعي واستعادة قيمة الحقيقة، أم ننتظر حتى نجد أنفسنا أمام أجيال تشكل عقولها بالأوهام أكثر مما تبنى بالمعرفة؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق