يعمد النظام الإيراني خلال الآونة الأخيرة إلى استخدام أساليب قمعية مبتكرة تتجاوز الاعتقالات التقليدية والترهيب المباشر في الشوارع، حيث باشرت السلطات الأمنية تنفيذ مخطط ممنهج يستهدف تدمير الحياة الاقتصادية والاجتماعية لجميع المعتقلين وعائلاتهم الذين شاركوا في الاحتجاجات الشعبية العارمة، وتسعى الأجهزة القضائية من خلال هذه التدابير القسرية إلى فرض واقع معيشي مرير يسلب المواطنين القدرة على مواصلة حياتهم الطبيعية كعقاب جماعي.
وحسب تقرير لموقع "اندبندنت فارسية"، فإن الأجهزة الاستخباراتية كثفت من ممارساتها الانتقامية عقب التطورات السياسية الأخيرة في المنطقة، إذ شملت هذه الإجراءات فصلاً تعسفياً للموظفين من أعمالهم وإغلاقاً متعمداً للمتاجر التجارية، بالإضافة إلى منع الخريجين من التوظيف ومصادرة الأملاك الخاصة، وتأتي هذه الخطوات بهدف تضييق الخناق على كل من أبدى تأييداً للحراك الثوري في مختلف المدن الإيرانية.
وتتوالى الشهادات الحية من داخل المدن الإيرانية لتكشف عن حجم المأساة التي يعيشها الشباب، حيث يروي أحد المعتقلين السابقين بمدينة كرج كيف تم إجباره على ترك وظيفتها في شركة خاصة بعد تهديد صاحب العمل من قبل عناصر الاستخبارات، والذين توعدوا بقطع العقود الحكومية عن المؤسسة في حال استمراره بالعمل، مما جعل الشاب عاجزاً عن تأمين قوته اليومي.
سلاح الإغلاق والمنع من الدراسة لمطاردة الناشطين وعائلاتهم
وامتدت يد البطش الأمني لتطاول عائلات الضحايا والشهداء الذين سقطوا خلال التظاهرات الأخيرة، ففي مدينة مشهد أقدمت السلطات على إغلاق المتجر الخاص بوالد أحد الضحايا كنوع من الضغط، واشترطت الأجهزة الأمنية لإعادة فتح المحل التزام الأسرة بالصمت التام وعدم نشر أي تفاصيل أو صور تتعلق بالحادثة على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة.
وفي سياق متصل، أكد ناشطون حقوقيون في محافظة مازندران أن الإجراءات القمعية طاولت القطاع الأكاديمي بشكل مباشر، حيث تعرض الكثير من الطلاب الجامعيين لقرارات تعليق طويلة الأمد ومنع من مواصلة تحصيلهم العلمي، وأصبح الطلاب مخيرين بين مراجعة المقار الأمنية للتحقيق والاعتقال أو البقاء متخفين وحرمانهم من حقوقهم الأساسية في التعليم.
ويمارس النظام الإيراني ضغوطاً جسيمة على العائلات في مقاطعة أرومية لمنعهم من الحديث عن ظروف أبنائهم المعتقلين، ويتلقى الأهالي تهديدات مباشرة باعتدءات واعتقالات تطاول بقية أفراد الأسرة في حال تسريب أخبار القمع، ويبدي الناشطون أسفهم الشديد تجاه الصمت الدولي المطبق الذي يرافق هذه المعاناة الإنسانية المتفاقمة التي يمر بها الشعب الإيراني.
العزلة الرقمية وتدمير قطاع الأعمال الحرة عبر قطع الإنترنت
ولم تقتصر المعاناة على الملاحقات الأمنية الفردية بل شملت سلاح العزلة الرقمية الشاملة، حيث استمر الانقطاع الكامل لشبكة الإنترنت في شتى أرجاء البلاد ليدخل شهره الثالث على التوالي، وتسبب هذا الحصار التكنولوجي في شلل تام للحياة المعيشية لملايين المواطنين الذين يعتمدون على التجارة الإلكترونية والتطبيقات الرقمية لإدارة أعمالهم الحرة.
ويشكو أصحاب المحال التجارية في العاصمة طهران من تراجع حاد في مبيعاتهم اليومية، بعدما كانت المنصات الرقمية مثل "إنستغرام" تشكل المورد الأساسي لتسويق بضائعهم وجلب الزبائن، وأصبح التجار يواجهون تراكم الديون وعجزاً كاملاً عن سداد إيجارات محلاتهم مما يهدد بإفلاس قطاعات واسعة من الطبقة العاملة والوسطى.
ويبدو أن النظام الإيراني يهدف من وراء هذا التعتيم الرقمي إلى قطع أوصال التواصل بين المحتجين، بالإضافة إلى إخفاء الحقائق والجرائم التي ترتكبها الأجهزة الأمنية بحق المدنيين العزل، وفي ذات الوقت يدفع المواطن البسيط الثمن الأكبر لهذه السياسات التي دمرت البنية الاقتصادية الهشة للبلاد وزادت من معدلات الفقر.
موجة الإعدامات السياسية كأداة لترهيب المجتمع وإنهاكه
وبالتوازي مع حرب التجويع المستمرة، يواصل النظام الإيراني تفعيل آلة الإعدامات ضد المعارضين السياسيين والرياضيين البارزين، حيث أعلنت السلطة القضائية رسمياً تنفيذ حكم الإعدام بحق السجين السياسي غلام رضا خاني شكرآب، وجاء هذا التنفيذ الصادم رغم المناشدات الدولية والتحذيرات الواسعة التي أطلقتها المنظمات الحقوقية لإنقاذ حياته.
وكان السجين السياسي الراحل قد اعتقل في سبتمبر من العام الماضي وجرى نقله تعسفياً، بين زنازين سجن "إيفين" الرهيب وغرف الحبس الانفرادي في سجن "قزل حصار" السيء السمعة، ووجهت إليه السلطات الإيرانية تهم التجسس والتعاون الاستخباري مع جهات خارجية وهي التهم الجاهزة التي تساق دائماً ضد النشطاء المعارضين.
ويرى المراقبون والناشطون داخل إيران أن السلطة الحاكمة وصلت لقناعة تامة بعدم كفاية القمع الميداني، ولذلك يعتمد النظام الإيراني حالياً على استراتيجية جديدة ترتكز على الإنهاك الاقتصادي والنفسي الطويل الأمد، وتعمل الأجهزة الأمنية على تحويل حياة المواطنين إلى جحيم مستمر لمنع تفكيرهم في تنظيم أي احتجاجات شعبية جديدة مستقبلاً.














0 تعليق