كشف طبيب في أحد كبرى المستشفيات في الكونغو أن السكان اقتحموا المنشأة مطالبين بجثمان لاعب متوفى بفيروس الإيبولا، بهدف دفنه وفقًا للعادات المحلية التي تقضي ببقاء الجثمان في المنزل لمدة يوم أو يومين لإقامة طقوس وداع تقليدية، بحسب ما نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.
وأضاف الطبيب، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن مكانة أحد الشاب الاجتماعية كونه لاعب كرة قدم ومشاركًا في أنشطة كنسية محلية جعلت عائلته ومجتمعه يرفضون فكرة دفنه دون مراسم تقليدية، ما زاد من حدة الصدمة عند إعلان إصابته بالإيبولا، وهو ما يجعل التعامل مع المرض أكثر تعقيدًا في نظر السكان.
أزمة بنية تحتية وتراجع الدعم الدولي
تقع مقاطعة إيتوري، التي سجلت معظم حالات التفشي، في منطقة حدودية مع جنوب السودان وأوغندا، ويبلغ عدد سكانها نحو أربعة ملايين نسمة، وتُعد من أبرز مناطق تعدين الذهب في البلاد، لكنها تعاني في السنوات الأخيرة من انعدام الأمن بسبب نشاط الميليشيات المسلحة.
وفي المناطق الريفية على وجه الخصوص، تكاد تنعدم خدمات الكهرباء والمياه، بحسب تريش نيوبورت، مديرة برامج الإيبولا لدى منظمة أطباء بلا حدود، التي أوضحت أن السكان في هذه البيئات الفقيرة يفضلون التركيز على أمراض أخرى أكثر انتشارًا مثل الملاريا والحصبة، بدل الإيبولا.
وأضافت أن خفض التمويل من الولايات المتحدة ودول أخرى أدى إلى تقليص البرامج الصحية وزيادة الشكوك حول المساعدات الموجهة خصيصًا لمكافحة الإيبولا، ما عمّق فجوة الثقة مع السكان المحليين.
وقال جريج رام، مدير منظمة إنقاذ الطفولة في الكونغو، إن تقليص التمويل أدى إلى خفض عدد العيادات التي تدعمها المنظمة من 96 إلى نحو الثلث فقط، ما قلل من فرص حصول السكان على الرعاية الطبية.
وحذر من أن استمرار تفشي الإيبولا سيؤدي إلى انهيار إضافي في النظام الصحي، مع وفاة مزيد من الأطفال بسبب أمراض يمكن الوقاية منها مثل الحصبة والملاريا وسوء التغذية.
يروي ناجون من الإيبولا تجارب قاسية مرتبطة بالوصمة الاجتماعية، حيث قال آدم فانكوير، وهو معلم أصيب بالمرض عام 2018 في مدينة بيني، إنه فقد عمله بعد شفائه، وتخلت عنه أسرته، بينما كان يُنظر إلى الناجين باعتبارهم مصدر خطر أو "كائنات ملعونة".
وأضاف أن المجتمع كان يتعامل مع المصابين والناجين بخوف شديد، حيث يتجنبهم الناس في الأسواق أو حتى عند مصادر المياه، ما يضاعف من معاناتهم النفسية والاجتماعية.
وفي السياق ذاته، تحدث الجراح الكونغولي سكي روجيه، الذي أصيب بالإيبولا أثناء إجراء عملية قيصرية طارئة، عن تأسيسه مجموعة دعم للناجين، مشيرًا إلى أن المرض يترك آثارًا نفسية عميقة حتى بعد الشفاء.
وأوضح أن بعض زملائه في الطاقم الطبي توفوا بعد رفضهم العلاج بسبب الخوف أو الوصمة، فيما تعرض آخرون للنبذ من أسرهم حتى أثناء فترة المرض.
انتشار نظريات المؤامرة ضد المنظمات الإنسانية
وتشير منظمات الإغاثة إلى أن إحدى أكثر النظريات انتشارًا بين السكان هي اتهام العاملين في المنظمات غير الحكومية بجلب الإيبولا بهدف الحصول على تمويل دولي أكبر.
وقالت جريس ويريمة ندونجو، المسؤولة الإعلامية في ميرسي كوربس، إن سكان مدينة غوما يرددون أن لا وجود للوباء وأن الأمر مجرد وسيلة لجمع الأموال، مشيرة إلى أن هذا الاعتقاد يصبح أكثر خطورة في المناطق الريفية الأكثر عزلة.
وأضافت روز تشوينكو أن حادثة اقتحام المستشفى تعكس “عاصفة كاملة” من الأزمات، تشمل العنف المسلح وتراجع التمويل الإنساني وتنامي الشكوك تجاه المنظمات الدولية.
كما أوضح الطبيب الأمريكي باتريك لا روشيل أن تأخر نتائج الفحوصات يساهم في زيادة انعدام الثقة، حيث يصل المرضى معتقدين أنهم مصابون بالملاريا، ثم يتلقون تشخيص الإيبولا، ما يثير صدمة ورفضًا واسعًا داخل الأسر.
وقال إن بعض السكان يعتقدون أن الأطباء أنفسهم ينقلون المرض عبر الحقن، وهو ما يعمق حالة الشك والخوف.















0 تعليق