في تمام العاشرة والنصف من صباح السبت الماضي، كنت قد كُلِّفت بإنجاز الأخبار التي تتناول استعدادات المحافظات لاحتفالات عيد الأضحى، إذ إنني أعمل في قسم الديسك، فأمال عليّ زميلي «أحمد» وقال لي: «ألا قُل لي يا جرجس.. هو قصة عيد الأضحى مش موجودة في الإنجيل؟»، فأجبته: «موجودة طبعًا.. بس مش بنفس التفاصيل».
فطلب مني التوضيح، فعدت قائلًا: «بطل الحدوتة مختلف.. في القرآن بطل القصة إسماعيل، بينما يُشير سفر التكوين إلى أن القصة تخص إسحق». لم يتطرق زميلي إلى ما هو أبعد من التفاصيل، وقرر أن يعود إلى مقصده من السؤال قائلًا: «أنا بسألك علشان أنا عارف إن في اتفاق بين الإسلام والمسيحية على فكرة تقديم إبراهيم لنجله كذبيحة لمرضاة الله، ولكن أنا عارف إن الحدث ده مش عيد في المسيحية!! فليه مش بتحتفلوا بيه؟».
فاستسمحته أن ينتظر قليلًا حتى أطفو من غرقي داخل تقرير اشتمل على 2200 كلمة من محافظات الصعيد، إذ إن الحديث انعطف تجاه أمر جاد، ويستحق الالتفات وانتقاء العبارات. وبعد أن ضغطت على «زر التمرير»، تناولت كوب القهوة السرياقوسي - تعدل الدماغ من إيد حسن، واعتدلت في الكرسي، وعدت للحديث قائلًا: «بص يا أبو حميد.. تصدقني لو قلتلك إن المسيحيين بيحتفلوا بعيد الأضحى؟». فنظر الرجل إليَّ في عجب، فباغتُّه قائلًا: «لكن الضحية هنا مش إسماعيل ولا إسحق، والمُضحِّي هنا مش إبراهيم»، فزادت حدقة عين الرجل اتساعًا.
ومن هنا راودتني الفكرة أن أكتب هذه السطور، لأوضح الفكر المسيحي تجاه هذا الحدث، الذي لا شك أنه من أهم الأحداث التاريخية، والذي له طابع مختلف في المسيحية كما سيتضح.
«الضحية» في مفهوم المسيحية
عزيزي القارئ.. عزيزي زميلي أحمد.. اسمحا لي.
حينما أمر الله العظيم -تبارك اسمه القدوس- إبراهيم خليله المبارك أن يُقدم ابنه ذبيحة أو محرقة، سواء كان البطل هنا إسماعيل أو إسحق، لم يكن الأمر تكديريًا، ولكن كان هناك هدفان.
الأول، نختتم به جميعًا القصة، كمسلمين ومسيحيين، وهو أن الله أراد أن يضرب لنا مثالًا في الطاعة والعشق الإلهي منقطع النظير، حتى نقتدي جميعًا بأبينا إبراهيم، ونطيع الله طاعة كاملة.
وقد يدخل أحدنا إلى العمق، فيُسقط «غلاوة» النجل -أيًا كان اسمه- على أمور غالية علينا، مثل التائب الذي يذبح شهواته وخطاياه التي اعتادها، ليبتغي مرضاة الله.
إلا أن المسيحية تتناول الأمر من وجهة نظر أخرى، تفيد بأن معظم الأحداث التاريخية التي ذكرها الله في العهد القديم، كانت تمهيدًا لفكرة مجيء المسيح وفدائه للإنسان، الذي لا يقدر أن يدفع ثمن خطيته بحق الله، ليكون المسيح هو «ضحية» الحب الإلهي.
فالمسيحية تؤمن أن الله، حينما أحب الإنسان، ضحى بنفسه، وهي ذات الفكرة؛ فعندما أحب إبراهيم الله وتيّم عشقًا في الذات الإلهية، قدّم أغلى ما لديه.
إذًا، الهدف الثاني هنا من الحدث، أن يغرس الله في قلب الإنسان أن فكر التضحية جائز، ولا غرابة فيه. والأعمق هنا أن بطل القصة لم يُذبح، وهو الذي يُشار به إلى الإنسان، بل فداه كبش لا ذنب له، كمثال للمسيح الذي: «ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ».
إذن متى تحتفل الكنيسة بعيد «الضحية»؟!
بهذه الكلمات سألني الزميل العزيز بعد أن انتهيت مما قلته، فعدت قائلًا: «بناءً على ما سبق، فالعيد الحقيقي هنا ليس في تضحية إبراهيم بنجله، ولا في فداء الكبش لذاك النجل، لأن الأمر هنا مجرد نبوة أو إشارة لما سيفعله المسيح بعد سنوات كثيرة من وقوع الحدث، وهو أن يُذبح هو على الصليب يوم الجمعة العظيمة».
ولاحقتُه قبل أن يعقب بقولي: «إلا أن هناك ملحوظتين يا أبو حميد.. الجمعة العظيمة فيها نذكر أن الله جاز الموت نيابة عن البشرية الضعيفة التي لا تقوى على أن تدفع ثمن العدل الإلهي بعد أن أفسدت طبيعتها، لكن هذه الطبيعة تتجدد بالقيامة، التي يعلن الله فيها النصرة على الفساد والموت وكل نتائج الخطية».
فالمسيحية هنا لا تكتفي بتذكر «الضحية»، لكنها تكرز بالقيامة، ونصرتها على الخطية، وارتضاء العدل الإلهي، والرحمة الإلهية في شخص المسيح.
على كلٍّ، هي أمور عقيدية نشرحها حتى يعرف القارئ المصري طريقة تفكير أخيه المسيحي الساكن في الشقة المجاورة، أو زميله في العمل، أو رفيقه في الدراسة.. ليس إلا.
أما نحن، فلن نختم بقولنا المعتاد: «توتة توتة خلصت الحدوتة»، بل سنختم بقول أهم:
«كل سنة وكل مسلم فرحان وسعيد ومبسوط.. ومش ناسي أخوه المسيحي في اللحمة.. إجازة سعيدة يا أبو حميد، وفي انتظارك أنت ولحمتك لما تنور الجرنال بعد الإجازة».
نهاركم سعيد.. وعيدكم مبارك















0 تعليق