الثلاثاء 26/مايو/2026 - 08:25 ص 5/26/2026 8:25:48 AM
الحمدُ للهِ الذي زيَّنَ الأرواحَ بالتقوى، وأشرقَ القلوبَ بالهدى، وجعلَ الأخلاقَ جنَّةَ النفوس، وميزانَ القداسة، وسرَّ الرسالات، والصلاةُ والسلامُ على سيدِ الخلقِ وأشرفِ الورى سيدنا محمدٍ المصطفى، وعلى آلهِ الطاهرين، مصابيحِ الدجى، وسفنِ النجاة، وأعلامِ الحكمةِ والتقى.
إنَّ الأممَ لا تبقى بحدِّ السيوف، بل بصفاءِ القلوب، ولا تعلو بكثرةِ الأموال، بل بسموِّ الخصال، فالأخلاقُ روحُ الحضارات، وضياءُ المجتمعات، فإذا ارتفعتْ ارتفعَ الإنسان، وإذا سقطتْ سقطَ البنيان، وصدقَ القائل:
وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ
فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا
ولقد جاء الإسلامُ لا ليبنيَ أجسادًا تمشي، بل ليصنعَ أرواحًا تسمو، ونفوسًا تزكو، وقلوبًا تحيا باللهِ بعد موتها، فجعلَ الأخلاقَ لبَّ الدين، وجوهرَ اليقين، قالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90].
وقال سبحانه في وصفِ نبيِّه الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
فكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم قرآنًا يمشي، ورحمةً تُهدى، ونسيمًا من الحنانِ يسري في القلوبِ القاسيةِ فتحيا، وفي الأرواحِ المتعبةِ فتصفو. ما خُيِّرَ بين أمرين إلا اختارَ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، ولا انتقمَ لنفسه قط، وكان إذا آذاه الجاهلُ قابله بالحِلم، وإذا أساء إليه المسيءُ غمره بالعفوِ والصفح.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما بُعثتُ لأتممَ مكارمَ الأخلاق».
وقال: «أقربُكم مني مجلسًا يوم القيامةِ أحاسنُكم أخلاقًا».
وقال أيضًا: «ليس الشديدُ بالصُّرَعة، إنما الشديدُ الذي يملكُ نفسَه عند الغضب».
فيا للهِ ما أعظمَ هذا الدينَ الذي جعلَ القوةَ في كظمِ الغيظ، والنصرَ في العفو، والعظمةَ في التواضع، والرفعةَ في الرحمة.
ثم جاءَ أهلُ البيتِ عليهم السلام، فكانوا الامتدادَ النقيَّ للنورِ المحمدي، والمرآةَ الصافيةَ لأخلاقِ النبوّة، لا يُجارَونَ في حلمهم، ولا يُدركُ شأوُهم في عفوهم وصفحهم وإحسانهم.
فهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، بابُ مدينةِ العلم، وإمامُ الحِلم، عليه السلام يقول:
«الناسُ صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق».
ويقول:
«إذا قدرتَ على عدوِّك فاجعلِ العفوَ عنه شكرًا للقدرةِ عليه».
وقال أيضًا:
«أولى الناسِ بالعفوِ أقدرُهم على العقوبة».
كلماتٌ لو سارتْ بها الأممُ لسكنتْ الفتن، وخمدتْ الأحقاد، ولتحوَّلَتِ الأرضُ من ساحةِ صراعٍ إلى روضةِ سلام.
أما الإمام الحسن بن علي عليه السلام فكان بحرًا من الحِلم، وغيثًا من الكرم، حتى ضُربَ المثلُ بعفوه وصفحه. شتمه رجلٌ من أهلِ الشامِ يومًا، وأكثرَ عليه من السبِّ والإهانة، والإمامُ ساكنُ الجنان، باسمُ المحيّا، حتى إذا فرغَ الرجلُ قال له برفقِ الأنبياءِ ورحمةِ الأولياء:
«أيها الشيخ، أظنُّك غريبًا، ولعلَّك اشتبهتَ علينا، فإن كنتَ جائعًا أطعمناك، وإن كنتَ محتاجًا أغنيناك، وإن كنتَ طريدًا آويناك…».
فما كان من الرجلِ إلا أن بكى حتى ابتلَّتْ لحيتُه وقال: “اللهُ أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالتَه”.
أيُّ قلبٍ هذا الذي يطفئُ نارَ الشتيمةِ بماءِ الرحمة؟! وأيُّ روحٍ تلك التي تُقابلُ الإساءةَ بالإحسان؟!
وكان عليه السلام يقول: «الحِلمُ زينة، والوفاءُ مروءة».
ويقول: «خيرُ الناسِ من نفعَ الناس».
وأما الإمام الحسين بن علي عليه السلام فقد علَّمَ الدنيا أنَّ الأخلاقَ ليست خضوعًا للباطل، بل ثباتٌ على الحق، وكرامةٌ لا تُباع، فقال: «إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا، وإنما خرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في أمةِ جدّي».
ثم أشرقَ نورُ الإمام علي بن الحسين زين العابدين، سيّدِ الساجدين عليه السلام الذي جمعَ بين دموعِ العبادةِ وعظمةِ الأخلاق. ومن أبهى صورِ حلمه وعفوه، ما كان من أمرِه مع مروانَ بن الحكم، ذلك الذي طالما آذى أهلَ البيت عليهم السلام، فلما اضطربتِ الأحوالُ وخافَ على أهله وأولاده، لم يجدْ مأمنًا إلا بيتَ الإمامِ زينِ العابدين عليه السلام، فأجارهم وآواهم وأكرمهم، كأنَّ الإساءةَ لم تكن، وكأنَّ الجراحَ لم تمرّ، لأنَّ النفوسَ الكبيرةَ لا تسكنها الأحقاد، والقلوبَ الربانيةَ لا تحملُ ثأرًا.
ومن مواقفِ حلمِه أيضًا أن رجلًا وقفَ يشتمه ويؤذيه، والإمامُ ساكنُ الطرف، مطمئنُّ النفس، فلما انتهى الرجلُ قال له:
«يا هذا، إن كان ما قلتَ فيَّ حقًّا فغفرَ اللهُ لي، وإن كان باطلًا فغفرَ اللهُ لك».
وفي موقفٍ آخر قال لمن آذاه: «هي صحيفتُك فأملِها بما شئت».
اللهُ أكبر… أيُّ سموٍّ هذا؟!
إنها نفوسٌ ترفَّعتْ عن صغائرِ الانتقام، وارتقتْ فوقَ ضجيجِ الغضب، حتى صارَ العفوُ عندها عبادة، والصفحُ سيادة، والحِلمُ ريادة.
ثم جاء الإمام جعفر الصادق عليه السلام، إمامُ العلمِ والحكمة، فقال كلمتَه الخالدةَ التي تُكتبُ بماءِ النور:
«نحنُ أهلَ بيتٍ مروءتُنا العفوُ عمّن ظلمَنا، والإعطاءُ لمن حرَمَنا».
يا لها من مروءةٍ ما أكرمها، ومن أخلاقٍ ما أطهرها!
يعفونَ عمّن ظلم، ويُحسنونَ إلى من أساء، ويصلونَ من قطع، لأنهم تخرّجوا من مدرسةِ سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم المدرسةِ التي تُربّي القلوبَ على الرحمة، لا على القسوة، وعلى الصفحِ لا على الانتقام.
وقال الإمامُ الصادقُ عليه السلام: «كونوا دعاةً للناسِ بغيرِ ألسنتكم».
أي ليكنْ خُلُقُكم قرآنًا يُقرأ، وسلوكُكم نورًا يُقتدى، فإنَّ الأفعالَ أبلغُ من الأقوال، والقلوبَ تفتحُها الرحمةُ قبل الجدل.
وما أحوجَ المسلمينَ اليومَ إلى هذا النبعِ الطاهر، بعد أن كثرتِ الخصومات، وضاقتِ النفوس، وغلبتِ العصبيات، حتى صارَ الأخُ يهجرُ أخاه، والقريبُ يعادي قريبَه، لأسبابٍ تافهةٍ لا تليقُ بأمةِ القرآن.
لقد ارتفعتِ المباني، ولكن انخفضتِ المعاني، وكثرتِ الكلمات، وقلَّتِ البركات، وصارَ كثيرٌ من الناسِ يصلّي ببدنه، بينما قلبُه غارقٌ في الكراهيةِ والخصام.
ولو عادَ المسلمونَ إلى أخلاقِ سيدنا محمدٍ وآلِ سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لعادتِ الرحمةُ إلى البيوت، والمودةُ إلى المجتمعات، والوحدةُ إلى الأمة، ولأدركَ الناسُ أنَّ الدينَ ليس مظاهرَ تُرى، بل أنوارٌ تُحيا، وأنَّ حسنَ الخلقِ أثقلُ شيءٍ في الميزان.
وقد صدقَ الشاعرُ إذ قال:
إذا الحِلمُ لم يَرحلْ بفضلِكَ للورى
فليسَ لكَ الفضلُ الذي تتوهَّمُ
وقال آخر:
تأنَّ ولا تعجلْ بلومِكَ صاحبًا
لعلَّ له عذرًا وأنتَ تلومُ
وقال المتنبي:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
غيرَ أنَّ النجومَ الحقيقيةَ ليست نجومَ السماءِ وحدها، بل نجومُ الأخلاقِ التي تضيءُ ظلماتِ الحياة.
فالأخلاقُ ليست كلماتٍ تُقال، بل أنوارٌ تُرى في المواقف، وتظهرُ عند الغضب، وتُعرفُ عند الخصومة، وهناك يتمايزُ الناس؛ فمنهم من تهزمه نفسُه، ومنهم من ينتصرُ عليها، وأولئك هم أهلُ الفضلِ والمروءة.
فيا أمةَ الإسلام…عودوا إلى الرحمةِ بعد القسوة، وإلى الصفحِ بعد القطيعة، وإلى الحِلمِ بعد الغضب، وإلى أخلاقِ النبيِّ وآلهِ الأطهار، ففيها نجاةُ القلوب، وصلاحُ المجتمعات، ورفعةُ الدنيا والآخرة.
نسألُ اللهَ أن يُطهِّرَ قلوبَنا من الأحقاد، ويملأَ أرواحَنا بالإيمان، ويجعلَنا من السائرينَ على نهجِ سيدنا محمدٍ وآلِ سيدنا محمد، أهلِ الرحمةِ والمروءةِ واليقين.
وصلّى اللهُ على محمدٍ وآلهِ الطيبينَ الطاهرين.

















0 تعليق