«أخلاقيات النشر» فوق واجهة مزيفة| كيف سُرقت مجلة «فصول» في وضح الإنترنت؟.. القصة الكاملة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في واحدة من أخطر وقائع التزييف الثقافي والأكاديمي، كشفت الهيئة المصرية العامة للكتاب عن وجود موقع إلكتروني مزيف ينتحل صفة مجلة فصول، إحدى أعرق المجلات النقدية العربية التابعة لوزارة الثقافة المصرية، مستغلًا اسمها وتاريخها وشعارها، في محاولة لخداع الباحثين والأكاديميين داخل مصر وخارجها.

 

 

اللافت في القضية لا يقتصر فقط على سرقة الاسم والهوية البصرية، بل يمتد إلى ما هو أبعد؛ إذ يقدم الموقع نفسه باعتباره منصة أكاديمية  «محكمة»، تعتني بنشر الأبحاث العلمية المحکمة في المجالات الآتية: «اللغة العربية وآدابها – اللغة الإنـجليزية وآدابها – الترجمة الإنـجليزية – اللغة الفرنسية وآدابها – الجغرافيا ونظم المعلومات الجغرافية – الوثائق والمکتبات والمعلومات – اللغات الشرقية وآدابها – التاريخ – الإعلام – علم الاجتماع – الفلسفة – الآثار – علم النفس – الدراسات الإسلامية – اللغة العبرية – الدراسات المسرحية المتخصصة».

 

والغريب أن هذا الموقع، يضم تبويب يتحدث عن «أخلاقيات النشر» و«النزاهة العلمية»، بينما يمارس في الوقت ذاته واحدة من أكثر صور التزييف الإلكتروني وضوحًا وجرأة، وعليه أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب أصدرت بيانًا رسميًا حاسمًا، أكدت فيه أن الموقع الإلكتروني:
https://fusul.org/، لا يمت لها بأي صلة، وأنه ينتحل صفة المجلة الرسمية التابعة لها، ويستغل تاريخها الممتد منذ عام 1980، في تضليل الباحثين والأكاديميين، محذرة من إرسال أي أبحاث أو مبالغ مالية إلى القائمين عليه.

 

وأكدت الهيئة أن المجلة الرسمية لا تتقاضى أي رسوم مقابل النشر، وأن الجهات القانونية بدأت بالفعل اتخاذ الإجراءات الجنائية والقضائية ضد المسؤولين عن الموقع.

 

موقع يعمل منذ سنوات

بحسب مراجعة محتوى الموقع، يتبين أنه موجود منذ سنوات طويلة، ربما منذ عام 2017 تقريبًا، ويضم تبويبات منظمة توحي بأنه منصة أكاديمية محترفة، مثل: «فصول»، «عن المجلة»، «فهرس المجلة»، «أخلاقيات النشر»، «الأهداف والنطاق»، و«عملية مراجعة النظراء»، لكن تصفح الموقع المزيف يكشف تفاصيل أكثر إثارة للقلق.

وفي قسم «عن المجلة»، يقدم الموقع نفسه باعتباره مجلة علمية ذات تاريخ ممتد، مستخدمًا لغة أكاديمية منمقة تتحدث عن «خدمة اللغة العربية»، و«الإسهامات العلمية الرصينة»، و«النشر المحكم»، بل يضع رقمًا دوليًا للمجلة، ويعدد تخصصات متنوعة للنشر، من اللغة العربية والإنجليزية والترجمة، إلى الإعلام والفلسفة والآثار وعلم النفس والدراسات الإسلامية.

ورغم كل ذلك، لا يذكر الموقع في أي موضع أنه تابع للهيئة المصرية العامة للكتاب، أو أنه يصدر عن وزارة الثقافة المصرية، وهي الجهة المالكة الأصلية للمجلة.

ذلك التناقض يطرح تساؤلات خطيرة: إذا كان الموقع لا يعلن رسميًا تبعيته للهيئة، فلماذا يستخدم اسم مجلة «فصول» التاريخية نفسها؟ ولماذا يوظف الشعار والهوية البصرية المرتبطة بالمجلة الأصلية؟ ولماذا يترك الباحث يعتقد أنه يتعامل مع جهة رسمية معروفة؟

«أخلاقيات النشر».. المفارقة الأكثر إثارة

المفارقة الأكثر غرابة، أن الموقع المزيف يخصص قسمًا كاملًا بعنوان «أخلاقيات النشر»، يتحدث فيه عن الأمانة العلمية، واحترام الملكية الفكرية، وعدم سرقة أعمال الآخرين، والالتزام بالنزاهة الأكاديمية.

ويشير الموقع إلى التزامه بمعايير مؤسسة COPE الدولية الخاصة بأخلاقيات النشر، كما يسرد بنودًا مطولة حول واجبات الباحثين والمحكمين وهيئة التحرير، منها احترام حقوق الملكية الفكرية، وعدم الانتحال، ومنع الغش والسرقات العلمية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين أخلاقيات النشر من انتحال اسم مجلة ثقافية مصرية عريقة؟ وأين النزاهة الأكاديمية من استخدام هوية بصرية وشعار وتاريخ لا يملكه القائمون على الموقع أصلًا؟ فما يحدث لا يبدو مجرد «تشابه أسماء»، بل عملية استغلال ممنهجة لاسم ثقافي له مكانته داخل الوسط الأكاديمي العربي، بهدف اكتساب الثقة والشرعية.

استغلال الباحثين وحلم النشر

الخطورة الحقيقية في هذه النوعية من المواقع لا تتعلق فقط بالقرصنة الإلكترونية، بل بما تمثله من تهديد مباشر للباحثين الشباب، خاصة مع تزايد الضغوط الأكاديمية المتعلقة بالنشر العلمي والترقيات، فكثير من الباحثين يسعون للنشر في مجلات تحمل أسماء معروفة وموثوقة، وهو ما يجعلهم فريسة سهلة لمواقع تنتحل أسماء مؤسسات أو دوريات ثقافية مرموقة.

ويبدو أن الموقع حاول بناء صورة احترافية متكاملة، من خلال الحديث عن «الرؤية» و«الرسالة» و«الانضمام إلى قواعد بيانات عالمية مثل سكوبس وكلاريفيت»، فضلًا عن الحديث عن «مراجعة النظراء» و«التحكيم العلمي»، وهي مصطلحات تمنح أي منصة مظهرًا أكاديميًا جادًا، غير أن كل تلك العبارات لا تلغي حقيقة أساسية «الموقع يستخدم اسم مجلة لا يملكها».

جريمة رقمية تمس التراث الثقافي

ما جرى مع مجلة «فصول» يكشف جانبًا خطيرًا من التحديات التي تواجه المؤسسات الثقافية في العصر الرقمي، حيث لم تعد سرقة المحتوى وحدها هي المشكلة، بل أصبح من الممكن سرقة الهوية الثقافية نفسها، ومجلة «فصول» ليست مجرد دورية عابرة، بل واحدة من أبرز المجلات النقدية العربية المتخصصة، وارتبط اسمها على مدار عقود بحركة النقد الأدبي والفكري في مصر والعالم العربي، لذلك، فإن انتحال اسمها لا يمثل فقط اعتداءً قانونيًا على حقوق الملكية الفكرية، بل اعتداءً على قيمة ثقافية وتاريخية تراكمت عبر سنوات طويلة.

ضرورة المواجهة الرقمية

القضية تفتح أيضًا الباب أمام تساؤلات أوسع حول حماية المنصات الثقافية المصرية على الإنترنت، ومدى جاهزية المؤسسات الرسمية لمواجهة هذا النوع من التزييف الإلكتروني.

فوجود موقع مزيف لسنوات دون اكتشاف واسع يطرح الحاجة إلى آليات أكثر فاعلية للرصد والمتابعة الرقمية، خاصة في ظل توسع ظاهرة المواقع الوهمية التي تستغل أسماء المؤسسات الأكاديمية والثقافية، وفي هذه القضية ربما تكون المفارقة الأكثر قسوة أن موقعًا يتحدث مطولًا عن «الأمانة العلمية» و«حقوق الملكية الفكرية»، متهم في الأساس بسرقة هوية مجلة ثقافية كاملة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق