فى الوقت الذى تعانى فيه المؤسسات الثقافية المصرية من تراجع أدواتها الإدارية، وشيخوخة الكثير من بنيتها البشرية، وعدم قدرتها على مواكبة التحولات الجديدة فى إدارة الفنون والصناعات الثقافية، تظل هناك تجارب تعليمية جادة تحاول- فى صمت- أن تخلق جيلًا جديدًا قادرًا على التفكير المختلف وإدارة الثقافة بوعى معاصر، ومن أهم هذه التجارب «دبلوم التنمية الثقافية» والذى أسسه نخبة من الأساتذة، وعلى رأسهم الدكتور عماد أبوغازى والدكتورة سلمى مبارك.
على مدار سنوات، نجح الدبلوم فى تقديم نموذج شديد الأهمية، لا يقوم فقط على تدريس الفنون أو المعرفة النظرية، بل على إعداد كوادر تمتلك أدوات العمل الثقافى والإدارة والتفكير النقدى، عبر الاحتكاك المباشر بالتجارب الحقيقية والفاعلين الأساسيين فى المجالين الثقافى والفنى.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذه الكوادر، بعد انتهاء رحلتها التعليمية، لا تجد غالبًا مكانًا حقيقيًا داخل المؤسسات الثقافية الرسمية، وكأن الدولة لا تستطيع إقامة روابط حقيقية بين التعليم وسوق العمل، وتنفق الوقت والجهد فى إعداد أفراد لا تملك لاحقًا آليات الاستفادة منهم أو تمكينهم.
أكتب هذا الكلام وأنا أنهى عامًا جديدًا من تدريس مادة «إدارة المسرح» بالدبلوم، وهى مادة اختيارية يختار الطلاب بين دراستها أو دراسة مادة إدارة المكتبات. وعلى مدار ٦ سنوات تقريبًا أتيحت لى فرصة التدريس والتفاعل مع ما يقرب من ٥٠ دارسًا ودارسة، جاءوا من خلفيات متنوعة، لكن جمعهم اهتمام حقيقى بفهم المسرح ليس فقط كفن، بل كمؤسسة وصناعة وآلية إدارة.
خلال الدراسة، لم يتلقَ هؤلاء الطلاب مجرد محاضرات نظرية، بل تعرفوا على الخريطة المهنية للمسرح، وآليات الإنتاج المسرحى فى مصر، والتحديات التى تواجه المسرح المستقل ومسرح الدولة والقطاع الخاص، وناقشوا مفاهيم الإدارة الثقافية والتمويل والتسويق وبناء الجمهور والتخطيط الاستراتيجى.
والأهم أنهم التقوا عبر المحاضرات والحوارات المباشرة بعضًا من أهم رموز وتجارب الإدارة المسرحية فى مصر خلال الثلاثين سنة الأخيرة، هذا العام فقط التقى الدارسون كلًا من: أحمد إسماعيل وعمر المعتز بالله وحسن الجريتلى وخالد جلال وعصام السيد وعبير على، ومخرجين ومديرى فرق ومسارح ومهرجانات، من مدارس ورؤى مختلفة، وأتيحت لهم فرصة محاورتهم ومساءلتهم بصورة حقيقية، لا عبر التلقى السلبى المعتاد.
فى أبحاثهم النهائية، يقدم الطلاب دراسات حالة لفرقة يختارونها، أى أنه قد قدمت على مدار الـ٦ سنوات دراسة حالة لما يقرب من ٥٠ فرقة وتجربة مسرحية، فى محاولة لفهم كيف تُدار المؤسسات الفنية وكيف تنجح أو تفشل.
هذه ليست دراسة أكاديمية معزولة عن الواقع، بل خبرة عملية ومعرفية حقيقية كان يمكن لو وُجدت إرادة أن تسهم فى تجديد الدماء داخل المؤسسات الثقافية.
لكن السؤال الذى يطرح نفسه بإلحاح: لماذا لا تتم الاستعانة بخريجى دبلوم التنمية الثقافية فى إدارة الفنون؟ ولماذا لا نجد دارسى مادة «إدارة المسرح» داخل المسارح والمؤسسات والمهرجانات المسرحية، بينما تستمر أشكال الإدارة العشوائية ذاتها التى يعانى منها المسرح المصرى منذ عقود؟
وسؤال أخير: لماذا نظل نردد تلك المقولة الجوفاء بأننا نفتقد الكوادر القادرة على إدارة الثقافة؟ ولماذا نظل مدفوعين دائمًا إلى إعادة تجريب من سبق تجريبهم، رغم أنهم لم ينجحوا فى تقديم شىء استثنائى أو مغاير للحياة الثقافية، سوى أنهم اكتسبوا خبرة التعامل مع دولاب العمل الحكومى وآلياته البيروقراطية؟
لماذا لا نبحث بجدية عن الكوادر الحقيقية، سواء داخل أروقة وزارة الثقافة نفسها، والتى تزخر بعدد غير قليل من الكفاءات التى أصابها الإحباط والتهميش، وربما يصيبها مع الوقت العطب الكامل أو خارجها، بين الأجيال الجديدة التى تمتلك رؤى أكثر عصرية ومرونة وقدرة على التطوير، كما هو الحال لدى كثير من خريجى دبلوم التنمية الثقافية؟
المشكلة الحقيقية لم تعد فقط فى نقص الموارد أو ضعف الإمكانيات، بل فى غياب الإرادة التى تسمح بتجديد الدماء، وإفساح المجال لأفكار جديدة تتحرر من الروتين الإدارى المزمن، وتفكر فى الثقافة باعتبارها فعلًا حيًا ومتغيرًا لا مجرد جهاز إدارى يكرر نفسه.
نعرف جميعًا حجم الأزمة: مسارح تدار بالخبرة التقليدية وحدها، وغياب للتخطيط، وضعف فى التسويق، وفجوة متزايدة بين المؤسسات والجمهور، وارتباك إدارى، وبيروقراطية تستهلك أى محاولة للتطوير، ومع ذلك، لا تزال الاستعانة بالكفاءات الشابة المؤهلة تبدو وكأنها رفاهية أو فكرة مؤجلة دائمًا.
والنتيجة أن كثيرًا من خريجى الدبلوم لا يجدون أمامهم سوى المبادرات الفردية؛ كل شخص يحاول، منفردًا، أن يصنع مشروعه الخاص أو مساحته البديلة أو تجربته المستقلة، بينما تظل المؤسسات الرسمية تدور داخل الحلقة نفسها، بالأدوات نفسها، وبالعقل الإدارى نفسه.
ربما آن الأوان للتعامل مع دبلوم التنمية الثقافية وغيره من التجارب المشابهة مثل: «معهد الإدارة الثقافية» الذى تحاول أكاديمية الفنون إحياءه، باعتبارها أكثر من مجرد شهادة أو دراسة إضافية، بل باعتبارها فرصة حقيقية لإعادة بناء الإدارة الثقافية فى مصر على أسس أكثر حداثة واحترافًا.
أزمة الثقافة فى مصر لم تعد فقط أزمة إنتاج أو تمويل، بل أصبحت- فى جوهرها- أزمة إدارة، وربما يكون وجود وزيرة قوية ولديها رؤية واضحة هو فرصة حقيقية للفت الانتباه لمواضع الخلل فلربما ساعدنا ولو على نحو بسيط فى معالجة الأمر.

















0 تعليق