فى مشهد دولى بالغ التعقيد، تبرز القاهرة كلاعب مهم وأساسى لا غنى عنه فى صياغة ملامح الاستقرار الإقليمى. لم تكن مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسى، مساء السبت الماضى فى الاتصال الجماعى الذى ضمه إلى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ونخبة من قادة العالم العربى والإقليمى، مجرد إجراء بروتوكولى، بل كانت تتويجًا لجهود مصرية حثيثة وممتدة تهدف إلى إغلاق ملف الحرب الإيرانية الذى ألقى بظلاله الثقيلة على الأمن والاقتصاد العالمى.
تأتى هذه التحركات فى توقيت دقيق، حيث تتجه الأنظار نحو إنهاء الحرب التى تصاعدت حدتها منذ فبراير الماضى.
لقد أدركت مصر منذ اللحظة الأولى أن استمرار التوترات، لا سيما تلك التى تهدد سلامة الملاحة فى مضيق هرمز، يمثل خطرًا وجوديًا على الاقتصادين القومى والعالمى. ومن هنا انطلق التحرك المصرى فى مسارين متوازيين وهما المسار الدبلوماسى المباشر مع واشنطن، والمسار التنسيقى الوثيق مع القوى الإقليمية الفاعلة، بما فى ذلك السعودية والإمارات، وقطر والبحرين والأردن وتركيا، بالإضافة إلى باكستان كشريك إقليمى مهم.
إن رسالة الرئيس السيسى فى هذا الاتصال الجماعى كانت واضحة وحاسمة. وهى ضرورة اغتنام الفرصة الدبلوماسية المتاحة. فمصر التى طالما دعت إلى الحلول السياسية والحوار البناء، ترى أن تكلفة استمرار الحرب باتت تتجاوز حدود الجدوى الاستراتيجية لأى طرف، ما يجعل التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام ضرورة لا تحتمل التأجيل.
إن اجتماع القادة الذى ضم، بالإضافة إلى الرئيسين السيسى وترامب، كلًا من ملك الأردن وملك البحرين ورئيس دولة الإمارات والرئيس التركى وأمير قطر وولى العهد السعودى، وقائد الجيش الباكستانى، يعكس إدراكًا جماعيًا لخطورة المرحلة الحالية. لقد لعبت باكستان من خلال موقعها الجيوسياسى ومشاركتها فى المفاوضات الملحقة، دورًا حيويًا كجسر تواصل فى كواليس الأزمة. وفى الوقت ذاته تتقاطع المصالح التركية والعربية مع الرؤية المصرية فى ضرورة تهدئة الأوضاع وضمان أمن الطاقة.
إن هذا التحالف العريض يرسل إشارة قوية لطهران وواشنطن بأن المنطقة بأسرها ترغب فى تحويل مسار المواجهة إلى مسار التنمية والاستقرار.
وبينما يضع الرئيس ترامب اللمسات الأخيرة على مسودة الاتفاق، وسط أجواء من التفاؤل الحذر بقرب فتح مضيق هرمز، تظل التحديات ماثلة. إن نجاح هذه الجهود الدبلوماسية لا يعتمد فقط على توقيع الوثائق، بل على بناء آليات حقيقية للثقة بين الأطراف المتنازعة.
وتأتى الاستراتيجية المصرية لتركز على احتواء التصعيد، ومنع أى انزلاق نحو مواجهات عسكرية جديدة من شأنها تقويض المساعى الدبلوماسية.
كما تركز مصر على توحيد المواقف لضمان أن يكون أى اتفاق آتٍ متوافقًا مع المصالح الأمنية لدول المنطقة.
ولا بد أن تلتزم واشنطن وطهران بمبدأ الأمن المشترك، بما يعود بالسلام والأمن على المنطقة والإقليم. إن الدور المصرى فى هذه الأزمة هو استكمال لدورها التاريخى كحارس لبوابة الاستقرار فى الشرق الأوسط. فبينما يرى البعض فى هذه الأزمة نهاية الحرب، تراها القاهرة بداية لمرحلة جديدة من إعادة صياغة التحالفات الإقليمية.
لقد أكد الرئيس السيسى خلال الاتصال أن مصر لن تدخر جهدًا فى تقديم الدعم لتيسير المفاوضات. وهذه العبارة تحمل فى طياتها التزامًا وطنيًا وقوميًا بأن مصر، بصوتها المسموع ودبلوماسيتها المتزنة، ستبقى دائمًا فى قلب الحل، ضامنة لأمن المنطقة، ومدافعة عن فرص شعوبها فى مستقبلٍ يخلو من طبول الحرب، ويسوده منطق السلام والتنمية الشاملة.
إن الأيام المقبلة ستكون هى المقياس الحقيقى لمدى نجاح هذا التحالف فى تحويل اتصال التنسيق إلى واقع السلام، وهو ما تترقبه شعوب المنطقة بأمل يمتزج بالحذر، واثقة بأن الحكمة التى ميّزت التحرك المصرى ستكون هى المفتاح لطى صفحة الحرب إلى الأبد.














0 تعليق