في 16 مايو 1703، رحل عن عالمنا الكاتب الفرنسي شارل بيرو، أحد أبرز رواد الأدب الأوروبي، وصاحب الفضل في تحويل الحكايات الشعبية المتوارثة إلى أدب خيالي خالد شكّل وجدان أجيال متعاقبة.
وبفضل أعماله التي مزجت بين الخيال والقيم التربوية، أصبح "بيرو" الأب الروحي لأدب الأطفال الحديث، بعدما قدّم للعالم قصصًا لا تزال حية حتى اليوم، مثل "ذات القبعة الحمراء"، و"سندريلا"، و"الجميلة النائمة"، لتظل سيرته نموذجًا لكاتب تجاوز حدود عصره وصنع إرثًا أدبيًا عالميًا لا يُنسى.
بدايات شارل بيرو
نشأ شارل بيرو في عائلة ميسورة الحال ضمت سبعة أبناء، وكان أصغرهم سنًا.
تلقى تعليمًا جيدًا ودرس القانون في مدينة أورليان، قبل أن يمارس المحاماة لفترة قصيرة.
غير أن اهتمامه الحقيقي اتجه نحو الأدب والفنون والعلوم، حيث جمع بين الفكر الأدبي والنزعة الفلسفية، إلى جانب اهتمامه بالرياضيات والهندسة والطب.
في خدمة الملك لويس الرابع عشر
أمضى شارل بيرو ما يقرب من عشرين عامًا في خدمة وزير مالية الملك لويس الرابع عشر، جان-باتيست كولبير، حيث لعب دورًا بارزًا في الإدارة الثقافية والدعائية للدولة الفرنسية، كما شارك في تشجيع الفنون والآداب، وارتبط اسمه بالأكاديمية الفرنسية التي أصبح أحد أبرز أعضائها.
صراع "القدماء والمحدثين"
دخل شارل بيرو التاريخ الأدبي من بوابة الجدل الفكري، حين قاد تيار "المحدثين" في النزاع الشهير ضد أنصار الأدب الكلاسيكي القديم. دافع عن فكرة أن الحضارة تتطور، وبالتالي يجب أن يتطور الأدب معها، معتبرًا أن الأدب الحديث قادر على التفوق على التراث الإغريقي والروماني.
وقد تجسدت هذه الرؤية في كتاباته النقدية، خاصة في عمله "موازنة بين القدماء والمحدثين"، الذي شكل علامة فارقة في الفكر الأدبي الأوروبي.
"حكايات الأوزة الأم".. ميلاد المجد الحقيقي
رغم إنجازاته الفكرية والسياسية، فإن المجد الأكبر لبيرو جاء في أواخر حياته عندما نشر عام 1697 مجموعته الأشهر «حكايات الأوزة الأم»، التي ضمت قصصًا أصبحت جزءًا من الذاكرة الإنسانية، منها: ذات القبعة الحمراء (ليلى والذئب)، سندريلا، الحسناء النائمة، القطة ذات الحذاء، ذو اللحية الزرقاء، وعقلة الإصبع.
اعتمد بيرو على التراث الشعبي الأوروبي، لكنه أعاد صياغته بأسلوب بسيط وسلس، جمع بين التسلية والقيم التربوية، ليصبح أول من منح القصص الشعبية شكلها الأدبي الحديث.
وتحولت أعمال شارل بيرو إلى مصدر إلهام ضخم للفنون العالمية، فاقتبست قصصه في المسرح والأوبرا والباليه والسينما، كما ألهمت كبار الموسيقيين مثل تشايكوفسكي، الذي استلهم "الحسناء النائمة" في أعماله الموسيقية.















0 تعليق