في مسارات الإصلاح المؤسسي الكبرى، لا تُقاس قوة الدول فقط بحجم المشروعات التي تنفذها، بل أيضًا بقدرتها على بناء مؤسسات مستقلة ومتوازنة تضمن استدامة هذه المشروعات وشفافية إدارتها.
ومن هنا تبرز من جديد الدعوات المطالِبة بفصل جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك إداريًا عن وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة، بحيث يتبع مباشرة رئاسة مجلس الوزراء، في خطوة يرى مؤيدوها أنها قد تمثل تطورًا طبيعيًا لمسار تحديث قطاع الطاقة في مصر.
وكان آخر من طرح هذه الرؤية الدكتور أمجد الوكيل، رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق، الذي استعاد في طرحه تجربتين بارزتين في تاريخ قطاع الطاقة المصري؛ الأولى عندما تم فصل الجهة الرقابية النووية عن الجهات التنفيذية خلال فترة الدكتور حسن يونس، والثانية مع فصل رئاسة هيئة المحطات النووية عن منصب وزير الكهرباء خلال فترة الدكتور محمد شاكر، معتبرًا أن الوقت قد يكون مناسبًا لاتخاذ خطوة مماثلة في قطاع تنظيم الكهرباء.
القضية هنا لا تتعلق بصراع صلاحيات أو تقليص لدور وزارة الكهرباء، بقدر ما ترتبط بفلسفة إدارة القطاعات الحيوية في الدول الحديثة.
ففي النماذج المتقدمة عالميًا، هناك فصل واضح بين الجهة التي تضع السياسات العامة، والجهة التي تنظم السوق وتراقب الأداء وتحمي المنافسة وحقوق المستهلك. ويُنظر إلى استقلال الأجهزة التنظيمية باعتباره أحد أهم عوامل استقرار الأسواق وجذب الاستثمارات طويلة الأجل.
ومن الناحية العملية، يؤدي جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك دورًا محوريًا في ملفات شديدة الحساسية، مثل تنظيم التعريفة، وإصدار التراخيص، ومراقبة جودة الخدمة، وحماية حقوق المستهلك، ووضع قواعد المنافسة داخل سوق الكهرباء.
لكن استمرار تبعية الجهاز إداريًا للوزارة التي تدير القطاع نفسه يفتح بابًا دائمًا للنقاش حول مدى استقلالية القرار التنظيمي، حتى وإن كان الواقع العملي يشهد بوجود مساحات كبيرة من المهنية داخل الجهاز.
المؤيدون لفكرة الفصل يرون أن استقلال الجهاز إداريًا قد يمنحه مساحة أوسع لاتخاذ قرارات تنظيمية أكثر حيادًا، كما يعزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، خاصة مع توجه مصر نحو التوسع في الطاقة المتجددة، وفتح المجال أمام القطاع الخاص، والسعي لبناء سوق كهرباء أكثر تنافسية ومرونة.
كما أن وجود جهاز منظم مستقل قد يساعد على تحقيق توازن أكثر وضوحًا بين أطراف المنظومة المختلفة؛ الدولة، والشركات، والمستهلك، والمستثمر.
فكلما كانت الجهة المنظمة بعيدة عن الإدارة التنفيذية المباشرة، زادت قدرتها على أداء دور “الحكم” بين جميع الأطراف دون أي التباس مؤسسي.
في المقابل، هناك من يرى أن خصوصية قطاع الكهرباء المصري، باعتباره قطاعًا استراتيجيًا يرتبط بالأمن القومي والخدمات الأساسية، قد تجعل من استمرار التنسيق المباشر بين الوزارة والجهاز التنظيمي أمرًا ضروريًا، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الحالية، والحاجة إلى سرعة اتخاذ القرار، وتكامل الرؤية بين التخطيط والتنفيذ والتنظيم.
ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن نجاح أي نموذج مؤسسي لا يرتبط فقط بالهيكل الإداري، بل أيضًا بكفاءة الأشخاص، ووضوح الاختصاصات، ووجود آليات رقابة ومحاسبة فعالة، مؤكدين أن تطوير أداء الجهاز يمكن أن يتحقق عبر تعزيز استقلاليته الفنية والمالية دون الحاجة بالضرورة إلى فصله الكامل عن الوزارة.
لكن رغم اختلاف وجهات النظر، يبقى المؤكد أن النقاش نفسه يعكس تطورًا مهمًا في التفكير المؤسسي داخل قطاع الطاقة المصري.
فبعد سنوات ركزت فيها الدولة على بناء البنية التحتية العملاقة، يبدو أن الحديث بدأ يتجه تدريجيًا نحو تطوير “بنية الحوكمة” نفسها، باعتبارها الضمان الحقيقي لاستدامة أي نجاح فني أو اقتصادي.
وربما لهذا السبب اكتسبت دعوة الدكتور أمجد الوكيل اهتمامًا واسعًا، لأنها لم تُطرح باعتبارها انتقادًا للواقع القائم، بل باعتبارها خطوة إصلاحية محتملة تستكمل مسارًا بدأته الدولة بالفعل في قطاعات أخرى، خصوصًا داخل المنظومة النووية.
وفي النهاية، فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بفصل جهاز تنظيم الكهرباء من عدمه، بل يرتبط بشكل أوسع بمستقبل إدارة قطاع الطاقة في مصر، وكيف يمكن تحقيق أفضل توازن ممكن بين قوة الدولة، واستقلال المؤسسات، ومرونة السوق، وحماية المستهلك.
وقد تكون الإجابة النهائية مرتبطة بتوقيت اتخاذ القرار، ومدى جاهزية السوق، وطبيعة المرحلة المقبلة من إصلاح قطاع الكهرباء، لكن المؤكد أن أي خطوة في هذا الاتجاه إذا تمت ستكون واحدة من القرارات المؤسسية المؤثرة في تاريخ القطاع لسنوات طويلة قادمة.












0 تعليق