مصر.. والأمن العربى

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الخميس 14/مايو/2026 - 02:41 م 5/14/2026 2:41:28 PM

لم تتخلى مصر فى أى مرحلة من مراحل تاريخها المعاصر عن المشاركة فى حماية أى دولة عربية تتعرض للخطر من المحيط إلى الخليج كما كان الشعب المصرى داعمًا للشعوب العربية التى تلجأ إليه فى العديد من أزماتها حتى ولو لم تكن أمنية أو عسكرية ودائمًا ما كان مضيافًا ومرحبًا بهم حتى ولو كان ذلك فى أصعب الظروف الإقتصادية أو السياسية أوالأمنية التى تتعرض لها البلاد.
لم يتوقف الدعم المصرى على دول الخليج العربى وحدها بل رأينا ذلك فى قوافل المساعدات الإنسانية التى لم تنقطع حتى يومنا هذا إلى داخل قطاع غزة الذى يتعرض أهله لأشرس حرب تجويع على مدار عامين...كما رأيناه فى دعم ليبيا بعد تعرضها لإعصار دانيال عندما تم إرسال حاملة الطائرات ميسترال إلى سواحل ليبيا للعمل كمستشفى ميدانى وتقديم خدمات الإغاثة ودعم المتضررين عقب الفيضانات التى تسببت فى إنهيار سدين فى مدينة درنة....كما تم مساندة المغرب الشقيق فى الظرف الذى مرت به إثر الزلزال الذى ضرب بعض المدن المغربية ما أسفر عن سقوط العديد من الضحايا....كذلك الحال بالنسبة إلى لبنان عندما ساهمت مصر فى إعادة الكهرباء بعد الضربات التى وجهها الإحتلال الإسرائيلى لمدينة بيروت....أما السودان فحدث ولا حرج سواء فى المساندات الدائمة والمستمرة ضد محاولات تقسيمها وإحباط الحروب الأهلية التى تحاول الميليشيات المدعومة من خارج السودان إلى تأجيجها وإستضافة الملايين من أبناء الشعب السودانى الذين تركوا بلادهم خوفًا من ويلات الحروب هناك....هذه هى مصر التى يحاول البعض التشكيك فى مواقفها السياسية أو العسكرية من خلال صور منقوصة تبدوا لهم أو يتخيلونها ومشاهد تصل إليهم إما مبتورة أو مجتزأة أو محكومة بالعاطفة أكثر من المعرفة.
يخطئ من ينظر إلى الأمن القومى المصرى بمعزل عن الأمن القومى العربى بمفهومه الشامل بمعنى أن أى خطر يحيق بأى دولة عربية شقيقة يمثل خطرًا على الأمن المصرى ليس فقط من الناحية العسكرية بل من كافة نواحى الأخطار الأخرى...وهو ما يدفع الدولة المصرية حاليًا إلى التحرك على كافة الأصعدة لدرء المخاطر عن أى دولة خليجية شقيقة فلم يعد الأمن القومى العربى ترفًا أو كلامًا إعلاميًا أو تصريحات سياسية بل بات يمثل ضرورة وجودية إستلزمت تحركًا مصريًا فوريًا لوضع هذا المفهوم موضع التنفيذ...بيد أن ما تقوم به الدولة المصرية ليس مجرد تصرفات أو تحركات عشوائية لمجرد إثبات الوجود بل هى خطوات محسوبة ومدروسة بكل دقة حتى تستطيع تحقيق الأهداف الحقيقية التى تسعى إلى تحقيقها دون إستفزاز لأى طرف من أطراف الحرب الأمريكية الإيرانية وأيضًا لتحقيق الحماية لدول الخليج الشقيقة...فالسياسة ليست مباراة تدار على الهواء مباشرة ولا إدارة الدول تشبه الجلسات الحوارية والتحليلات السياسية الخالية من الواقعية فهناك فارق هائل بين من يتابع الحدث من الخارج ومن يجلس فى موقع المسئولية ويعرف حجم التعقيدات والتوازنات والتهديدات والمصالح المتشابكة.
أحيانًا تضطر الدول إلى إتخاذ مواقف تبدو متناقضة ظاهريًا أو صامتة فى توقيت يتوقع الناس فيه الصخب والإرتجالية وذلك لإرضاء الرأى العام هنا أو هناك علمًا بأن هناك معلومات لو خرجت فى توقيت خاطئ قد تفسد مفاوضات كاملة أو تربك أجهزة الدولة أو تكشف عن دعمًا عسكريًا غير معلن ينتظر التوقيت المناسب للتدخل وهو ما يسمى فى علوم السياسة "الغموض الإستراتيجى" Strategic Ambiguity  
والمقصود به إنه أداة سياسية تعمل فى المساحة بين ما يقال وما لا يقال وبين ما يعلن وما يؤجل إظهاره....بمعنى آخر هو فن إدارة المعلومة كما تشتعل النار بحيث لا تطفأ كليًا ولا تترك تشتعل بغير حساب بل تحاط بإطار يجعلها تحقق أقصى أثر بأقل خسائر....وهنا أجدنى أسجل شهادة للتاريخ أن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى يحقق ذلك بإحترافية غير مسبوقة ولأنه مسئول حقيقى ورجل دولة من الطراز الأول فإنه لا يتكلم كثيرًا ولكنه يعرف متى يتكلم ومتى يصمت وماذا يقول ولمن يقول.
إن موقف الدولة المصرية الداعم دائمًا للدول العربية الشقيقة هو موقف تاريخى نابع من الروابط التاريخية المتجذرة بين مصر والدول العربية وهو موقف لا يقبل المزايدة أو التهوين فدائمًا كانت مصر داعمة لأشقائها العرب حتى ولو لم تعلن عن ذلك سواء كان ذلك من خلال قيادتها السياسية أو شعبها الأصيل فالدعم المصرى لم يكن أبدًا مجرد موقف سياسى عابر بل هو إلتزام إستراتيجى وتاريخى ينبع من وحدة المصير المشترك...فالأمن القومى العربى من المحيط إلى الخليج هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى ولا يقبل القسمة أو التفاوض.
لقد واجهت مصر تطاولًا ومحاولات للتقليل من دورها فى حرب أمريكا – إيران وضد العدوان على الدول العربية فى الخليج سواء من التابعين للمعسكر الإيرانى أو من يرغبون فى توريط مصر فى تلك الحرب ومحاولة جعلها وكيلًا عن دول الخليج إلى أن قام السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى بزيارته الأخوية الأخيرة لدولة الإمارات العربية الشقيقة وتفقده مفرزة لبعض المقاتلات المصرية المتمركزة هناك للإطلاع على الجاهزية القتالية والجهود المبذولة لتعزيز القدرات العملياتية والإستعداد لمختلف التحديات وهو ما أعلنته وكالة الأنباء الإماراتية....وهنا خرست الإلسنة وأغلقت الأبواق والأصوات المدفوعة الأجر والمحسوبة على جهات تسعى لخراب الأمة العربية وتقسيمها وتقزيمها ولم نسمع صوتًا واحدًا تجرأ أو تطاول على الموقف المصرى الذى كان يتحرك بناء على كم هائل من المعلومات الإستخباراتية والتقديرات العسكرية والإتصالات غير المعلنة والحسابات الدولية المعقدة التى لا يراها المواطن بطبيعة الحال.
إن مصر – يا سادة – دولة كبيرة شاء من شاء وأبى من أبى ليس مطلوبًا منها أن تشرح كل شئ وقت الحدث بل أن كثير من الوثائق والحقائق لا يكشف عنها إلا بعد سنوات حين تزول حساسية الموقف لأن إدارة الدول ليست صناعة شعبية بل هى مسئولية كبيرة وثقيلة تدار بحسابات البقاء والمصلحة والإستقرار...وهى مسئولية سوف يشهد التاريخ أن الرئيس عبد الفتاح السيسى يتحملها بكل ثبات وصبر وثقة مدعومًا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى وبالثقة الواعية من الشعب المصرى العظيم.
إن الدولة المصرية تعمل دائمًا على تحقيق الأمن العربى...ألزمت نفسها ولم ولن تدير وجهها للأشقاء فقرارها من إرادتها وهو قرار مبنى على مبادئ حاكمة حيث تتعامل بشرف فى زمن عز فيه الشرف

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق