ماهية الهيمنة الثقافية

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

هناك هيمنة اقتصادية يخضع بموجبها اقتصاد بلد معين لتوجهات وأرباح بلد آخر، هناك أيضًا هيمنة عسكرية، لكن الكاتب الأمريكى المعروف هربرت شيللر يبحث فى الهيمنة الثقافية التى تفرضها دول الغرب بفضل ما لديها من تكنولوجيا الاتصالات ووكالات الأنباء العالمية وشركات الإعلانات الضخمة، والأخبار، والصور، والأفلام، والموسيقى، ويحدث ذلك كله تحت شعار التدفق الحر للمعلومات. 

ويولى الكاتب اهتمامه بذلك البُعد الثقافى، خاصة فى مخططات الهيمنة الأمريكية، يقول فى كتابه «الاتصال والهيمنة الثقافية»: «تخيل للحظة أن كل خبر تقرأه، وكل فيلم تشاهده، وكل إعلان يمر أمام عينيك، ليس مجرد محتوى عابر صُنع للتسلية أو الإعلام فحسب، بل هو جزء من معركة شرسة وغير مرئية تدور رحاها على عقول البشر ووعيهم الجمعى». 

وقد سبق أنطونيو جرامشى الجميع إلى طرح فكرة الهيمنة الثقافية ضمن مجلدات كتابه الشهير «دفاتر السجن»، وبيّن فيها أن الطبقة لكى تحكم ليست بحاجة فقط إلى السلاح، لكنها بحاجة أيضًا إلى التحكم فى الوعى عبر المدارس والصحافة والإعلام والأدب والفن والدين والأسرة، إذ إن هذه المؤسسات تغرز وتثبت الأفكار والقيم السائدة وتُربى الناس على قبول النظام الاجتماعى، وأبسط مثال على ذلك ما تروجه ثقافة تلك المؤسسات من أن سبب الفقر الوحيد هو كسل الأفراد، ومن ثم يتوقف الناس عن التفكير فى أسباب اقتصادية أو سياسية أعمق للفقر. 

توفى جرامشى عام ١٩٣٧، ثم عاد هربرت شيللر بعد نحو أربعين عامًا، فى ١٩٧٦ إلى مفهوم الهيمنة، لكن فى وضع جديد مع حداثة الانفجار الرقمى والمعلوماتى ووسائل الاتصال والإنترنت، ويربط الكاتب بقوة بين حركة الاقتصاد العالمى، خاصة الأمريكى، وبين الهيمنة الثقافية، فيقول إنه لم يكن من قبيل المصادفة ذلك التزامن التاريخى بين صعود أمريكا كقوة اقتصادية عسكرية وبين سياسة ما سمى بالتدفق الحر للمعلومات، حيث تلازمت حرية رأس المال وحرية تدفق المعلومات وأصبحت السيطرة على وسائل الاتصال تمنح التجارة العالمية قدرة هائلة على مراقبة الأسواق وتسهيل أعمالها وأرباحها.

ويستخدم هربرت شيللر تعبير الإمبريالية الثقافية قائلًا: «إنها العمليات التى يتم بها إدخال مجتمع ما إلى النظام العالمى، وكيف تتم استمالة الطبقة السائدة فيه والضغط عليها وإجبارها ورشوتها كى تُشكَّل المؤسسات الاجتماعية متسقة مع أهداف المركز المهيمن.. وعلى نحو مماثل فإن طابع وتنظيم التعليم مفروض عليه أن يتوافق مع متطلبات الشركات متعددة الجنسية، بحيث يخرج التعليم عمالًا مهرة ومديرين تحتاجهم تلك الشركات».

ويضرب الكاتب مثالًا بأوضاع بلدان أمريكا اللاتينية قائلًا: «إن آثار الهيمنة أو التبعية الثقافية على حياة البشر فى أمريكا اللاتينية ليست فقط نتيجة لعملية غزو يقودها أجنبى، لكنها تمثل بنفس الدرجة اختيارًا تقوم به الطبقة الحاكمة فى تلك البلدان باسم التنمية الوطنية».

فى كل الأحوال كتاب ممتع يثير الكثير من القضايا المهمة، ترجمه إلى اللغة العربية وجيه سمعان عبدالمسيح.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق