بين الردع والتهدئة.. (مسافة السكة) ليست شعارًا

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

السبت 09/مايو/2026 - 04:25 م 5/9/2026 4:25:31 PM

تشكل العلاقات المصرية ـ الإماراتية، والمصرية ـ العُمانية، كشأن العلاقات المصرية مع كل دول الخليج العربي، نموذجًا يحتذى به في العمل العربي المشترك، حيث أثبتت سنوات التعاون الماضية، أن التنسيق المباشر بين القاهرة وأبو ظبي، وبين مصر وعُمان كان عاملًا محوريًا في دعم استقرار المنطقة وتعزيز مؤسسات الدولة الوطنية.. ويمثل استمرار هذا التحالف الاستراتيجي ضرورة ملحة في المرحلة الراهنة، ليس فقط لمواجهة المخاطر الأمنية، بل أيضًا لدفع عجلة التنمية الشاملة وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للأجيال القادمة، في مصر والإمارات وعُمان والعالم العربي بأسره.
على هذه الخلفية، شهدت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، أجواءً من المودة والترحيب الشعبي، فور وصوله إلى مطار أبو ظبي الدولي، في مشهد عكس متانة العلاقات الأخوية بين الشعبين المصري والإماراتي، وعمق الروابط التاريخية التي تجمع البلدين، ويعبر عن حالة التقدير المتبادل بين البلدين، ويؤكد استمرار العلاقات المصرية ـ الإماراتية، كأحد أهم نماذج العلاقات العربية ـ العربية القائمة على الشراكة والتعاون الاستراتيجي.. إذ كان الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، في مقدمة مستقبلي الرئيس السيسي لدى وصوله، حيث جرى استقبال رسمي يعكس مكانة الزيارة وأهميتها، وعبر عدد من المواطنين والمقيمين في محيط الاستقبال عن ترحيبهم بزيارة الرئيس السيسي، مؤكدين تقديرهم للعلاقات المصرية ـ الإماراتية، وما تمثله من نموذج للتعاون العربي القائم على الاحترام المتبادل والمصير المشترك، مشيرين إلى أن هذه الزيارة تعزز أواصر المحبة والتقارب بين الشعبين، كما أن لها دلالات سياسية وتحمل رسائل مهمة.
وفي مسقط، أجرى الرئيس عبد الفتاح السيسي، زيارة أخوية إلى سلطنة عُمان استغرقت عدة ساعات، التقى خلالها بأخيه جلالة السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، الذي كان في استقبال الرئيس عند وصوله إلى المطار السلطاني الخاص بمسقط، قادمًا من دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث عقد الزعيمان جلسة مباحثات موسعة بمشاركة وفدي البلدين، أعقبها لقاء ثنائي مغلق، ثم مأدبة عشاء عمل على شرف الرئيس.. وقد جدد الرئيس السيسي تأكيد دعم مصر وتضامنها الكامل مع سلطنة عُمان الشقيقة في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، مشددًا على حرص مصر على الحفاظ على استقرار السلطنة والدول العربية وصون سيادتها وأمنها ومقدرات شعوبها.. كما أكد الرئيس رفض مصر القاطع لأي تهديد يمس أمن وسيادة الدول العربية، باعتبار أن أمنها جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، ومشددًا على وحدة المصير العربي المشترك.. في الوقت الذي رحب جلالة السلطان هيثم بن طارق بزيارة السيد الرئيس، مؤكدًا عمق الروابط التاريخية والوثيقة التي تجمع بين مصر وسلطنة عُمان، وما يربط الشعبين الشقيقين من أواصر المودة والأخوة، وأعرب جلالة السلطان عن تقديره البالغ لموقف مصر الثابت ودعمها المتواصل لأمن واستقرار الدول العربية، مثمنًا الدور المصري الفاعل في جهود التهدئة بالشرق الأوسط.. وتناولت المباحثات مستجدات الأوضاع الإقليمية، حيث شدد الزعيمان على أهمية دعم الجهود الرامية لتسوية الأزمة الراهنة بالمنطقة عبر المفاوضات، واحتواء التوتر وعدم التصعيد لتجنيب المنطقة المزيد من عدم الاستقرار فضلًا عن التداعيات الوخيمة التي سوف تطول الجميع..
كما حملت زيارة الرئيس السيسي إلى أبو ظبي رسائل سياسية مهمة في توقيت استثنائى، إذ عكست زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أبوظبي ولقاءه بأخيه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، قوة ومتانة العلاقات المصرية ـ الإماراتية الممتدة عبر عقود من التعاون والأخوة الصادقة، القائمة على الاحترام المتبادل ووحدة المصير والرؤية المشتركة تجاه قضايا المنطقة، وما الزيارة إلا تأكيد على حرص البلدين على مواصلة تعزيز التعاون في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية، إلى جانب استمرار التنسيق المكثف تجاه التحديات الإقليمية والدولية، بما يسهم في دعم الأمن القومي العربي وترسيخ دعائم الاستقرار والسلام في المنطقة، لأن الروابط التاريخية بين الشعبين الشقيقين، والإرادة المشتركة لمواصلة البناء والتنمية، تحقق المزيد من الإنجازات التي تخدم مصالح البلدين، في ظل قيادة حكيمة تؤمن بأهمية العمل العربي المشترك، وتعزيز مسارات التنمية والاستقرار والازدهار، ‏وستظل مصر والإمارات نموذجًا للتعاون الأخوي في وجه التحديات.
إن الزيارات المتبادلة بين مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة، ليست لقاءات بروتوكولية عابرة، بل تحمل في مضمونها رسائل سياسية واضحة، تؤكد أن هناك تحالفًا قائمًا على الثقة والوضوح، وعلى إدراك مشترك بأن الأمن العربي كلٌ لا يتجزأ، وأن مواجهة التحديات الإقليمية تتطلب تماسكًا وتنسيقًا على أعلى المستويات.. ففي ظل ما تشهده المنطقة من توترات متصاعدة، تبرز أهمية هذا التناغم المصري ـ الإماراتي، كركيزة أساسية في معادلة التوازن الإقليمي، حيث يعكس نهجا قائمًا على الحكمة والتدرج، بعيدًا عن الانفعال، وقريبًا من الفعل المسئول الذي يضع مصلحة الشعوب في المقام الأول.. هذا التقارب، لا يقتصر على الجانب السياسي فحسب؛ بل يمتد ليشمل آفاقًا واسعة من التعاون الاقتصادي والاستثماري، حيث تشهد العلاقات بين البلدين نموًا متسارعًا يُعزز من فرص التكامل، ويفتح المجال أمام شراكات نوعية تسهم في دعم مسارات التنمية المستدامة.
الزيارة التي تأتى في توقيت بالغ الدقة، تمر به منطقة الشرق الأوسط، والعالم أجمع، يجعلها تحمل رسائل تؤكد التحالف المصري ـ الإماراتي القوي في مواجهة التحديات، خصوصًا في ظل العدوان الإيراني الذي تواجهه الإمارات.. جاءت لتؤكد الموقف التضامني الأصيل لمصر مع الإمارات، وهي زيارة تؤكد ما قاله الرئيس السيسي، بأن ما يمس أمن الإمارات يمس أمن مصر، وأن مصر مع الإمارات قلبًا وقالبًا في وجه كل التحديات، نظرًا خصوصية العلاقات الإماراتية ـ المصرية، إذ أنها علاقات ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، حين أسهم الدور المصري في إرسال أول بعثة عربية لزيارة المنطقة التي كانت تعرف باسم إمارات الساحل المتصالح.. فبعد قيام دولة الإمارات، انطلقت هذه العلاقة من أسس قوية بين البلدين والشعبين الشقيقين، بناءً على رؤية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، لمصر وموقعها ومكانتها الريادية في العالم العربي، في ظل الحرص الكبير الذي أولاه مؤسس الإمارات الشيخ زايد، طيب الله ثراه، لهذه العلاقات مع مصر.. كان الشيخ زايد يعتبرها بمثابة الروح للجسد، وقد سجل له التاريخ مقولته الشهيرة، بأن البترول العربي ليس بأغلى من الدم العربي، وحرص على دعم مصر والوقوف إلى جانبها في مختلف الظروف.. وهناك العشرات من المؤسسات والمشاريع تخلد اسمه في مصر؛ حتى وصلت العلاقات بين البلدين الشقيقين لمستويات متقدمة ومتطورة، لتصبح أنموذجًا لما يجب ان تكون عليه العلاقات بين الأشقاء.
●●●
تؤكد زيارة الرئيس السيسي، أن مصر هي دولة الفعل والتأثير وليست دولة شعارات أو أقوال.. هذا التحرك يعكس ردًا عمليًا على كل المشككين في قوة الدور المصري الإقليمي، ويؤكد مقولة (مسافة السكة)، بما تحمله من دلالات على سرعة التحرك المصري تجاه القضايا العربية.. لقد برز تصريح سابق للرئيس عبد الفتاح السيسي، يعود إلى عام 2016، مجددًا خلال زيارته لمفرزة المقاتلات المصرية المتمركزة في الإمارات، بصحبة الشيخ محمد بن زايد بهدف (الاطلاع على الجاهزية والجهود المبذولة لتعزيز القدرات العملياتية والاستعداد لمختلف التحديات)، كما أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية.
وبرزت جملة الرئيس التي قال فيها، إن الجيش المصري (مسافة السكة)، وتم تداولها بصورة واسعة بين نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، منها الحساب الذي نشر مقطع فيديو للرئيس ومحمد بن زايد قائلًا بتعليق: (مسافة السكّة.. تقول وتطول يا السيسي.. وهذا العهد بين الرجال الشرفاء.. ومرحبًا بك في دار الزعيم العظيم الشجاع الشيخ محمد بن زايد.. الامارات ومصر).. وأضاف الرئيس بتصريحه المتداول، أن مصر على أهبة الاستعداد للدفاع عن (أشقائها) في الخليج، في حال تعرضهم لـ (تهديد مباشر)، مؤكدًا حينها، أن القوات المصرية العسكرية هي (جيش كل العرب).
في التصريحات ذاتها عام 2016، قال الرئيس السيسي، إن مصر (تحترم إرادة الشعوب ولا تتدخل في شئون الدول الأخرى، ولكنها قادرة على صد أي هجوم، والرد على أي اعتداء أو تهديد مباشر، سواء عليها أو على أشقائها)، مؤكدًا أنه (لا توجد أفضال بين الأشقاء، وإنما كل الحب والتقدير والاحترام، وأن مصر لو كان لديها ما يكفي من الإمكانيات، لما كانت ستتوانى عن تقديم كل الدعم لأشقائها العرب)، وذلك خلال استقباله وفدًا من الصحفيين والإعلاميين الكويتيين وقتها.
وبحسب الرئاسة المصرية، عقد الزعيمان لقاء ثنائيًا على غداء عمل على شرف الرئيس السيسي، الذي (أكد تضامن مصر مع الإمارات في ظل الظرف الإقليمي الراهن، وشدد على مساندة مصر لأمن واستقرار الإمارات، ورفضها التام للاعتداءات الإيرانية على سيادتها).. كما أكد الرئيس، وفق بيان الرئاسة، أن (ما يمس الإمارات يمس مصر)، وأوضح كذلك، أن (تلك الاعتداءات تمثل انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتصعيدًا خطيرًا يهدد أمن واستقرار المنطقة والعالم بأسره)، مشيرا إلى ضرورة تكثيف الجهود لتسوية الأزمة الراهنة عبر الحوار والمساعي الدبلوماسية، خصوصًا وقد تعرضت الإمارات مؤخرًا لهجمات صاروخية وبطائرات مسيرة، وأكد الرئيس تضامن مصر الكامل مع دولة الإمارات ومع دفاعها عن أمنها.
ليس ذلك فحسب، بل إن الزيارة تأتي لتأكيد مفهوم الأمن القومي العربي المشترك، وأن الإمارات تمثل جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.. فمصر تنطلق من كونها دولة سلام ذات دور حضاري، تقدم الدعم والمساندة للأشقاء في مختلف الظروف.. لذلك، فإن التنسيق مستمر بين مصر ودول الخليج في مختلف الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، حيث تتجه العلاقات بين القاهرة وأبو ظبي نحو شراكة استراتيجية متنامية، مدعومة برؤى مشتركة لتعزيز الاستثمارات والتعاون الاقتصادي، في ظل ما تتمتع به مصر من فرص واعدة تحظى باهتمام الجانب الإماراتي، في ظل أهمية تعزيز التنسيق العربي المشترك وسط التحديات الراهنة، لأن الأزمات المتلاحقة في المنطقة، تجعل من الضروري استمرار التعاون والتنسيق بين الدول العربية، باعتبار أن الأمن القومي العربي وحدة واحدة لا تتجزأ.
وقد يسأل سائل: ما تأثير زيارة الرئيس السيسي للإمارات وسلطنة عمان على ملفات الأمن في المنطقة؟.
في إطار التحركات المصرية المتواصلة على الساحتين الإقليمية والدولية، فإن زيارات الرئيس السيسي الأخيرة إلى الإمارات وسلطنة عمان، تعكس ثوابت السياسة الخارجية المصرية، القائمة على حماية الأمن القومي العربي، واعتبار أمن دول الخليج جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.. تتبنى القاهرة سياسة استراتيجية واضحة، تقوم على اعتبار أمن الخليج (خطًا أحمر)، وقد اتخذت مصر، منذ بداية التصعيد الإقليمي الحالي، موقفًا رافضًا لأي اعتداءات على دول الخليج، سواء عبر بيانات رسمية أو تحركات دبلوماسية على مستوى القمم والمنظمات الدولية.. شملت التحركات المصرية، اتصالات مكثفة مع الأطراف الإقليمية والدولية، إلى جانب جهود في مجلس الأمن والجامعة العربية، بهدف احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.. لعبت القاهرة دورًا محوريًا في فتح مسارات تفاوضية بالتعاون مع قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان.
تبنّت مصر نهجًا يقوم على (الدبلوماسية الاستباقية)، عبر الدفع نحو وقف إطلاق النار ثم تثبيت التهدئة، وصولًا إلى تسوية سياسية شاملة.. تتحرك القاهرة على أكثر من مسار في الوقت نفسه، سواء عبر التواصل مع واشنطن أو التنسيق مع روسيا والصين والاتحاد الأوروبي.. مصر تدرك خطورة انخراط دول الخليج في مواجهة مباشرة مع إيران، مما قد يضاعف تداعيات الأزمة على الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.. وتأتي زيارات الرئيس السيسي الأخيرة، في إطار تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع دول الخليج، وتحديدًا الإمارات وسلطنة عمان، لأن الرسائل الصادرة عن هذه الزيارات تؤكد وحدة الموقف وتطابق الرؤى في التعامل مع التهديدات الإقليمية.. مصر تؤكد دائمًا أن (ما يمس الإمارات يمس مصر)، وهو ما يعكس عمق الترابط بين الأمنين القومي المصري والخليجي.
الأكيد، أن المنطقة تمر بمرحلة شديدة الخطورة، تُدار فيها المواجهات على (خط النار)، وهذا يعني أن كلفة العمليات العسكرية على الولايات المتحدة مرتفعة للغاية، سواء من الناحية المالية أو السياسية.. واستمرار التصعيد ينعكس مباشرة على الداخل الأمريكي، من ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والعقارات، إلى تزايد الضغوط السياسية مع اقتراب الانتخابات، مما قد يدفع باتجاه تقليص التوتر بدلًا من توسيعه.. وقد أثرت التوترات الحالية على العلاقات الأمريكية ـ الأوروبية، وأحدثت فجوات داخل المعسكر الغربي، في ظل إعادة تموضع عسكري واستراتيجي في بعض الدول الأوروبية.. والعودة إلى الحل العسكري ستشكل عبئًا ثقيلًا على جميع الأطراف، لذا، فقد تتجه القوى الدولية والإقليمية إلى تعزيز المسار الدبلوماسي بدعم مصري نشط، يهدف إلى بناء تحالفات لخفض التصعيد، في ظل الرؤية المصرية الثابتة منذ البداية: (لا حل عسكري للأزمات الإقليمية.. والحل الوحيد هو التفاوض السياسي والدبلوماسي الشامل).
حفظ الله مصر من كيد الكائدين.. آمين.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق