شهد ملتقى "تراث القاهرة في الأدب"، الذي نظمته الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، بمسرح السامر بالعجوزة، مائدة مستديرة بعنوان "القاهرة في الدراما"، أدارتها الكاتبة د. صفاء البيلي، بمشاركة الناقد والمخرج المسرحي د. جمال الفيشاوي، والكاتب والناقد المسرحي د. عمر توفيق، والشاعرة إلهام عفيفي، والكاتب الصحفي سيد الإسكندراني، إلى جانب عدد من الأدباء والنقاد والمبدعين.
في كلمتها، أكدت د. صفاء البيلي أن القاهرة مدينة متعددة الأبعاد، تحمل داخلها تحولات إنسانية وثقافية ممتدة عبر العصور، مشيرة إلى أهمية استعادة وجه المدينة وروحها الحقيقية، خاصة في ظل التحولات المتسارعة وصولًا إلى عصر الرقمنة، بما يتيح إعادة اكتشاف ما تبقى من ملامح هذه المدينة العظيمة وتراثها الإنساني والثقافي.
من جهته، تناول د. جمال الفيشاوي صورة القاهرة في المسرح، وعلاقة التراث الأدبي بالنصوص المسرحية، موضحًا أن المسرح المصري شهد في بداياته امتزاجًا بالتأثيرات الأوروبية، مع إنشاء أول المسارح وظهور عروض تناولت قضايا المجتمع المصري.
وأشار إلى تطور المسرح في عهد الخديو إسماعيل، مع إنشاء المسرح الكوميدي، ومسرح الأوبرا، الذي شهد تقديم "أوبرا عايدة" بالتزامن مع افتتاح قناة السويس، موضحًا أن المسرحيات العربية لم تكن معروفة في مصر قبل ظهور العروض المقدمة باللغة العربية الفصحى واللهجة المصرية العامية، والتي ناقشت موضوعات اجتماعية وسياسية.
كما استعرض تطور المسرح على يد سلامة حجازي، ثم مرحلة المسرح الحديث مع مطلع القرن العشرين، ومع مجيء جورج أبيض، الذي قدم المسرح التراجيدي، وصولًا إلى كتابات المسرح الشعري مع أحمد شلبي، ثم الأجيال التالية من الكتاب، مثل توفيق الحكيم في أعماله "أهل الكهف" و"إيزيس"، وسعد الدين وهبة، ثم جيل السبعينيات الذي ضم سمير سرحان، ومحمد عناني، ويسري الجندي.
وتوقف الفيشاوي عند تجربة الكاتب محمد أبو العلا السلاموني، خاصة نصوصه المرتبطة بتاريخ القاهرة، ومنها "المحروسة" و"مآذن المحروسة"، التي أخرجها سعد أردش، وقدمت من خلالها فرق شعبية مصرية اشتهرت في القرن الثامن عشر بالعروض المسرحية الارتجالية المرتبطة بالواقع الاجتماعي والسياسي، بالإضافة إلى نصوصه التاريخية مثل "رجل في القلعة" و"أمير الحشاشين".
ًأما د. عمر توفيق، فتناول صورة القاهرة في الدراما التليفزيونية، متسائلًا حول ما إذا كانت الدراما قدّمت المدينة بصراعاتها الحقيقية أم اكتفت بصورة نمطية عنها، مؤكدًا أن القاهرة ظلت دائمًا بنية قائمة في وجدان الدراما المصرية.
وأشار إلى أن منتصف السبعينيات شهد تحولات مهمة مع النهضة الصناعية وانتشار أجهزة التليفزيون، وظهور أعمال مثل "القاهرة والناس"، ثم بداية العصر الذهبي للدراما في التسعينيات، مع كتاب قدموا إلى القاهرة من محافظات مختلفة، وعبّروا عن علاقتهم بها من خلال أعمالهم.
وتحدث عن أعمال عدد من كبار الكتاب، مثل نجيب محفوظ، وأسامة أنور عكاشة في "أرابيسك" و"ليالي الحلمية"، ويوسف الجندي، ويسري الجندي في مسلسل "نهاية العالم ليست غدًا"، الذي تناول الصراع بين القاهرة الحلم والقاهرة التي تسعى وراء المال، بالإضافة إلى أعمال تناولت البعد التاريخي والسياسي مثل "علي الزيبق".
كما أشار إلى تجربة الكاتب وحيد حامد، خاصة عمله "سفر الأحلام"، الذي عبر عن أحلام القادمين إلى القاهرة باعتبارها مدينة الفرص والطموحات، مؤكدًا أن صورة القاهرة القديمة لا تزال حاضرة بقوة في مخيلة الأجيال المختلفة.
وفي مداخلتها، تناولت الشاعرة إلهام عفيفي صورة القاهرة في السينما المصرية، مؤكدة أن الكاميرا لعبت دورًا مهمًا في رصد تحولات المدينة وتوثيق تفاصيلها اليومية، موضحة أن البدايات الأولى للسينما كانت تسجيلية، قبل أن تتطور إلى الأفلام الروائية.
وأشارت إلى دور الرائدات في صناعة السينما، مثل عزيزة أمير، وتطور الموسيقى التصويرية، مؤكدة أن السينما مثلت وثيقة بصرية مهمة للحياة في القاهرة، خاصة في فترات الثلاثينيات والأربعينيات، ثم الستينيات التي شهدت تناول قضايا الطبقة الوسطى والبسطاء والانتماء الوطني.
كما استعرضت عددًا من الأعمال السينمائية المرتبطة بالقاهرة، خاصة المأخوذة عن روايات نجيب محفوظ، مثل "القاهرة 30"، إلى جانب أعمال محمد خان وعاطف الطيب، التي رصدت التحولات الاجتماعية والطبقية داخل المدينة، مؤكدة أن القاهرة لم تكن مجرد خلفية للأحداث، بل كانت شخصية رئيسية في العمل الفني.
وتحدث الكاتب الصحفي سيد الإسكندراني عن دور الإذاعة في تشكيل صورة القاهرة، موضحًا أن الدراما الإذاعية نجحت في تقديم روح المدينة من خلال البرامج والمسلسلات التي عكست الحياة اليومية والشخصيات الشعبية والصراعات الاجتماعية.
وأشار إلى أن أعمال نجيب محفوظ حظيت بمعالجات إذاعية مميزة، إلى جانب أعمال فؤاد المهندس، التي جعلت المستمع يشعر وكأنه يرى المشهد بعينيه، مؤكدًا أن الإذاعة شكلت سجلًا سمعيًا حيًا لروح القاهرة.
كما تناول برامج وإذاعات وثقت تاريخ المدينة، مثل "القاهرة في ألف عام"، و"حكايات حارتنا"، والتي قدمت ملامح المجتمع القاهري وتطوراته النفسية والاجتماعية عبر الزمن.
وشهدت المائدة مداخلة للكاتب فؤاد مرسي، أكد خلالها أهمية وجود مرصد ثقافي يوثق إسهامات القاهرة الحضارية والفنية، خاصة بعد الاحتفال بمرور ألف عام على تأسيس المدينة.
فيما تناولت د. ابتهال العسلي، مدير عام ثقافة القاهرة صورة القاهرة والتراث المصري في السينما العربية والعالمية، وكيف نجحت المدينة في فرض حضورها البصري والثقافي على الشاشة.
واختُتمت الفعاليات بأمسية شعرية أدارها الشاعر سامح هريدي، وشارك فيها عدد من الشعراء، منهم الشاعرة أمل عامر، والشاعر حمدي عبد الرازق، والشاعرة منى جلال التي ألقت قصيدة "أنا عصفور"، والشاعر رضا الملاوي بقصيدة "بحبك وبعيش فيك"، والشاعرة مقبولة نور الدين التي ألقت قصيدة "مصر" للشاعر مرسي أبو زيد.
كما شارك الشاعر محمد عبد الهادي بقصيدة "رمية التماس"، والشاعر رضا عبادة بمقتطفات بعنوان "شد اللحاف"، والشاعرة إيمان عبد النبي بقصيدة "لعب عيال"، والشاعر عادل إدريس بقصيدة "ادخلوها بسلام"، والشاعر محسن الشاذلي بكلمات أغنية "آخر مرة"، والشاعر عبد الله أبو سعدة بقصيدة في حب الأم، والشاعر علي نوح بنص "أقبل عزاك قبل السفر"، والشاعر محمد نصار بقصيدة عن الصديق، والشاعر عبد الله الخولي بقصيدة بعنوان "حوار مع تمثال".
واختتمت المائدة بالتأكيد أن القاهرة ستظل حاضرة في مختلف أشكال الإبداع، بما تحمله من ذاكرة إنسانية وتراث حي، يعكس روح المجتمع المصري وتحولاته عبر الزمن.
وعقد الملتقى ضمن خطة إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي، وفرع ثقافة القاهرة، بالتعاون مع الإدارة المركزية للشئون الثقافية، والإدارة العامة للثقافة العامة.













0 تعليق