ثمة أشخاص يعبرون فى حياتنا كالنسمة، لكنهم يتركون فى الروح أثرًا لا يمحوه الزمن، كان سيد العديسى واحدًا من هؤلاء الذين لم يكتفوا بعبور الطريق، بل شيدوا فيه جسورًا من المحبة والوفاء.. أيام مرّت بعد أن ودعناه إلى دار البقاء، لا نجد فى جعبتنا إلا ذكرياتٍ رتبها القدر بدقة، لتبدأ من مجرد «اسم» وتنتهى بـ«أخٍ» لم تلدْه أمى.

البداية موعدٌ لم يكتمل فى 2018
بدأت «حكاية المحبة» فى 2018، عندما كنت شابًا مفعمًا بالحماس، أحلم بإجراء حوار صحفى مع «الكينج» محمد منير ليكون مسك الختام لمشروع تخرجى وأنا فى كلية الإعلام، حلم كان مشروعًا ولكنه كان صعب المنال، لأجد أن الطرق جميعها تؤدى إلى اسم واحد «سيد العديسى».
كانت التساؤلات حاضرة، تساؤلات ربما تحولت مع مرور الوقت لدهشة، تطورت إلى رغبة فى معرفة من هو سيد العديسى؟، لتكون الإجابة بأنه شقيق الصديق العزيز إيهاب، الذى أتذكر جيدًا تحذيره لى حينها: «اذهب لعمك سيد، لكن إياك والهزار الغشيم.. هذا كبيرنا الذى علمنا وقدوتنا».
ذهبتُ إليه مهيبًا، فإذا بى أمام رجلٍ فيضٌ من الكرم، لم يبخل بجهد، ووعدنى بالوصول لمنير، لكن الأقدار أرادت لقطار اللقاء أن يتأخر، فسافر منير للعلاج، وانشغلت أنا بإنهاء دراستى، وظننتُ أن القصة انتهت عند هذا الحد.

الأيام دائمًا لها رأىٌ آخر
دارت الدوائر لتجمعنى بـ سيد العديسى مرة تلو الأخرى، تقابلنا فى طرقات معرض الكتاب، وجلسنا على أرصفة المقاهى، وتشاركنا هواء المكاتب فى جريدة «الدستور».. بمرور السنوات، اكتشفتُ أن «العديسى» هو الثابت الوحيد فى عالم متغير؛ الوجه هو الوجه، والضحكة هى الضحكة التى لا تغادر محياه أبدًا.
لم يعد مجرد شقيق صديق أو واسطة خير، بل صار الأخ الأكبر الذى أهرب إليه من عناء الحياة، الذى أهرول إليه مع أى مشكلة، حتى إننى كنت أول المتحدثين معه شاكيًا أخيه «إيهاب» فى فى بعض الأوقات، وكان خير معين وسامع أمين، وأحيانًا أخرى لأفرغ ما فى جعبتى من هموم الدنيا، فكان دائمًا هو الملاذ، والناصح الصدوق، وصاحب القلب الذى يتسع للجميع.

زيارة متأخرة
مع وفاته، زرتُ نجع العديسات، لا كضيفٍ خفيف يمرُّ على أصدقائه وأبناء عمومته، بل بقلبٍ أثقله الفقدُ وحجبت الرؤيةَ فيه الدموع، كنت أراك يا «صديقى» فى عيون الجميع.. سيد العديسى، القلب النقى الطيب الذى لم يعرف سوى الصفاء.
وعدتك كثيرًا أن أزورك ونلتقى ونتجول فى قريتك سويًا، ولم أكن أعلم أن زيارتى ستكون فقدًا وحزنًا وألمًا، زرتك يا صديقى كما وعدتك، ويا ليتها بقيت وعدًا قادمًا لا محققًا وأنت محمولًا على الأكتاف والجميع يقولون «كان راجل طيب، عاش ومات فى سلام ومحبة».

رحيل هادئ أليم
رحلتَ يا سيد، ولكن سيرتك لم ترحل.. لا أدرى أيكون لقاؤنا قريبًا أم بعيدًا؟ لكن كل ما أعلمه أنك تستحق الأفضل دائمًا، واليوم يفوز نقاء قلبك بحسن الختام وطيب الذكر، رأيت الحزن يكسو الوجوه، ورأيت «إيهاب» الذى أعلم تمامًا حجم انكساره الداخلى؛ يقف منحنى الظهر، والأسى يرتسم على ملامحه، يتلقى عزاءك وكأنه لم يستوعب بعد حقيقة غيابك.
لماذا لم تقاوم هذه المرة كعادتك؟ لماذا لم تهاتفنا؟ لو فعلت لكنا طوع أمرك وفى رحابك خلال لحظات.. لا أعلم كيف ستمضى الأيام، وكيف سيمر الأسبوع دون تلك المكالمة المعتادة التى كانت تملأ كونى صخبًا وحياة، حين كنت أقول لك مداعبًا: «إيهاب مزعلنى يا أبوعمو»، لتعلو ضحكتك المجلجلة وتردّ بصوتك الدافئ: «يا واد ده ابن عمك.. إحنا كبار، متزعلش نفسك».

الموت يختار الأنقياء
يقولون إن الموت «لا يمرر أحدًا»، لكن الحقيقة المرة هى أن الموت يبدو وكأنه يختار بعناية؛ يختار الأطهر، والأنقى، والأكثر طيبة.. رحل سيد، وترك خلفه فراغًا لا يملؤه صخب المعارض ولا أحاديث المقاهى، رحلت يا صديقى، وستظل فى ذاكرتنا ذلك الرجل علمنا الأمل والضحك والسعادة.
عزاؤنا الوحيد أنك الآن فى رحاب ربٍ كريم، فى دارٍ لا شقاء فيها ولا فناء، نم قرير العين، فدعواتنا لك لن تنقطع، وذكراك ستبقى حيةً ما حيينا.















0 تعليق