في مشهد اقتصادي يتأرجح بين القلق والترقب، يعود الذهب إلى الواجهة مجددًا، لكن هذه المرة بخطوات محسوبة لا تعكس اندفاعًا قويًا بقدر ما تكشف عن صراع خفي بين عوامل متناقضة؛ فبينما تدفعه التوترات العالمية للصعود، تكبّله مؤشرات اقتصادية تضغط عليه من الاتجاه الآخر، ليبقى المعدن الأصفر أسير توازن دقيق.
تعافٍ حذر بعد أدنى مستويات شهرية
استعادت أسعار الذهب جزءًا من خسائرها خلال تعاملات الثلاثاء، بعد أن لامست أدنى مستوياتها في نحو خمسة أسابيع خلال الجلسة السابقة. هذا الارتفاع لم يكن حادًا، بل جاء تدريجيًا نتيجة تحركات شراء انتهازية من قبل المستثمرين الذين استغلوا تراجع الأسعار للدخول مجددًا إلى السوق.
ورغم هذا التعافي، لا تزال حالة الحذر تسيطر على المشهد، خاصة مع استمرار الضغوط التي تحدّ من أي اندفاعة قوية نحو الصعود.
الأسعار محليًا تتحرك في نطاق ضيق
على الصعيد المحلي، انعكس التحسن العالمي بشكل محدود على السوق المصرية، حيث سجلت أسعار الذهب مستويات جديدة لكنها بقيت ضمن نطاق ضيق. فقد بلغ سعر عيار 24 نحو 7886 جنيهًا، بينما استقر عيار 21 – الأكثر تداولًا – عند 6900 جنيه، وسجل عيار 18 حوالي 5914 جنيهًا، في حين وصل سعر الجنيه الذهب إلى 55200 جنيه. هذه التحركات تشير إلى حالة من الترقب في السوق، حيث يوازن التجار والمستهلكون بين توقعات الصعود ومخاوف التراجع.
النفط والفائدة يضغطان على المعدن الأصفر
ورغم محاولات التعافي، يواجه الذهب ضغوطًا متزايدة بفعل ارتفاع أسعار النفط، التي تعيد إشعال مخاوف التضخم عالميًا، ما يدفع المستثمرين لتوقع استمرار السياسات النقدية المتشددة، وعلى رأسها رفع أسعار الفائدة الأمريكية.
كما أن ارتفاع عوائد السندات الحكومية الأمريكية يمثل عامل جذب بديل للمستثمرين، ما يقلل من جاذبية الذهب كملاذ آمن، ويحدّ من مكاسبه المحتملة.
في السياق ذاته، أظهرت التداولات أن أونصة الذهب سجلت ارتفاعًا بنحو 0.6%، لتصل إلى مستويات 4558 دولارًا، بعد أن افتتحت التعاملات عند 4520 دولارًا، لتستقر لاحقًا قرب 4550 دولارًا. ويأتي هذا التحرك بعد أن اختبر الذهب مستوى دعم مهم عند 4500 دولار، قبل أن يرتد منه بفعل تراجع زخم الهبوط.
لكن هذا الارتفاع لا يعكس تحولًا كاملًا في الاتجاه، إذ لا يزال الذهب يتحرك تحت مستوى مقاومة مهم عند 4650 دولارًا للأونصة، وهو ما يشير إلى استمرار الضغوط الفنية على المدى القصير، وفق تحليلات الأسواق.
من ناحية أخرى، تلقي التوترات الجيوسياسية بظلالها على حركة الذهب، خاصة مع تصاعد المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران في منطقة الخليج. هذه التطورات تزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، وتدفع المستثمرين إلى متابعة المشهد بحذر شديد، خصوصًا مع ارتباط الأزمة بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لنقل الطاقة.
وقد شهدت المنطقة خلال الأيام الماضية تصعيدًا لافتًا، حيث أعلن الجيش الأمريكي تدمير عدد من الزوارق الإيرانية، في حين ردت طهران بهجمات استهدفت منشآت حيوية، ما يزيد من احتمالات اتساع رقعة التوتر وتأثيره على الأسواق، بما في ذلك الذهب.
في المجمل، يبقى الذهب في حالة تذبذب بين عوامل داعمة وأخرى ضاغطة، حيث تمنحه الأزمات السياسية بعض القوة، بينما تحدّ المؤشرات الاقتصادية من اندفاعه، ليظل المستثمرون في حالة ترقب لأي إشارات قد تحدد اتجاهه القادم.















0 تعليق