الجراحة الأخطر في تاريخ العمران.. كيف أعادت الدولة تشكيل الخريطة بـ68 مليار جنيه؟

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في توقيت يتزامن مع حرص الدولة على عرض تجربتها التنموية أمام شركائها الدوليين، خلال لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي مع ماتياس كورمان، الأمين العام لـ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يبرز ملف العشوائيات باعتباره أحد أعقد التحديات التي خاضت الدولة مواجهتها، وأخطر “جراحة عمرانية” أُجريت لإعادة ضبط الخريطة السكانية في مصر.

حين بدأت الدولة في حصر المناطق العشوائية، لم تكن الأرقام مجرد بيانات جامدة، بل كشفت عن واقع شديد التعقيد: نحو 160.8 ألف فدان تمثل ما يقرب من 38.6% من الكتلة العمرانية لمدن الجمهورية، موزعة على 226 مدينة من أصل 234، بما يعكس انتشار الظاهرة على نطاق شبه كامل، وتحولها إلى نمط عمراني قائم بذاته، له اقتصاد موازٍ وخصائص اجتماعية خاصة.

داخل هذه الخريطة، برزت المناطق غير الآمنة باعتبارها “بؤر الخطر القصوى”، حيث بلغ عددها 351 منطقة، تقطنها نحو 1.7 مليون نسمة، في أوضاع تتراوح بين السكن أسفل سفوح الجبال، أو فوق مخرات السيول، أو بمحاذاة خطوط الضغط العالي. هذه المناطق لم تكن مجرد عشوائيات تقليدية، بل كانت تهديدًا مباشرًا للحياة، وهو ما فرض على الدولة التدخل بمنطق مختلف، أقرب إلى “الجراحة الدقيقة” منه إلى التطوير التدريجي.

في مواجهة هذا المشهد، تبنت الدولة استراتيجية مزدوجة: إزالة كاملة للمناطق التي تمثل خطرًا داهمًا، مقابل تطوير شامل للمناطق القابلة للتحسين، وبالفعل، تم توجيه استثمارات مباشرة تُقدّر بنحو 68 مليار جنيه خلال الفترة من 2014 إلى 2022، عبر صندوق تطوير العشوائيات، الذي تحول لاحقًا إلى صندوق التنمية الحضرية بعد أن أنهى مهمته الأساسية في التعامل مع مناطق الخطورة.

الجراحة هنا لم تكن سهلة، فإخلاء مناطق مأهولة بمئات الآلاف من السكان كان يمكن أن يتحول إلى أزمة اجتماعية، لكن الدولة اعتمدت مبدأ “التسكين أولًا”، حيث تم توفير وحدات سكنية بديلة قبل نقل السكان، وهو ما مكّن من تنفيذ عمليات الإزالة دون صدام، وحافظ في الوقت نفسه على تماسك المجتمعات المحلية.

وبلغة الأرقام، وفرت الدولة أكثر من 300 ألف وحدة سكنية مجهزة بالكامل، استوعبت نحو 350 ألف أسرة، بما يعادل قرابة 2 مليون مواطن، انتقلوا من بيئات خطرة إلى مجتمعات حضرية مخططة، تتوافر فيها الخدمات الأساسية من تعليم وصحة ونقل وأسواق.

ولم تتوقف الجراحة عند حدود المناطق غير الآمنة، بل امتدت إلى المناطق غير المخططة، التي تمثل النسبة الأكبر من العشوائيات، ففي هذا الإطار، تم الانتهاء من تطوير 56 منطقة بمساحة 4616 فدانًا، تخدم نحو 460 ألف أسرة، بينما يجري العمل حاليًا على تطوير 79 منطقة أخرى بمساحة تقارب 6941 فدانًا، يستفيد منها نحو 690 ألف أسرة، ضمن خطة أشمل تُقدّر تكلفة تنفيذها بنحو 318 مليار جنيه.

هذا التحرك المتوازي يعكس تحولًا جذريًا في فلسفة التخطيط العمراني في مصر، من مجرد التعامل مع النتائج إلى معالجة الأسباب، عبر إدخال شبكات البنية الأساسية، وتوفير الخدمات، وإعادة تنظيم الكتلة العمرانية بما يمنع إعادة إنتاج العشوائيات مستقبلًا.

كما امتدت هذه الجهود إلى ملف الأسواق العشوائية، التي بلغ عددها 1099 سوقًا تضم أكثر من 305 آلاف وحدة، حيث بدأت الدولة في تنظيمها أو نقلها إلى أسواق حضارية، بما يسهم في دمج الاقتصاد غير الرسمي داخل المنظومة الرسمية.

في النهاية، لم تكن هذه العملية مجرد تطوير عمراني، بل إعادة صياغة لعلاقة الدولة بالمجال الحضري، وتحويل مناطق كانت تمثل عبئًا إلى مساحات قابلة للحياة والاستثمار. وهي رسالة حملها هذا الملف إلى المحافل الدولية، مفادها أن مصر لم تكتفِ بإدارة الأزمة، بل خاضت واحدة من أخطر عمليات “إعادة بناء الداخل” في تاريخها الحديث.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق