مسرحية «ميديا» واحدة من أبرز التراجيديات الإغريقية التى كتبها يوربيدس فى القرن الخامس قبل الميلاد، فى سياق ازدهار الحياة الثقافية فى أثينا، حيث كان المسرح عنصرًا محوريًا فى التعبير عن قضايا الإنسان وصراعاته مع المجتمع والقدر. وعكست المسرحية واحدة من أقسى التجارب الإنسانية، إذ تتناول موضوعات الانتقام والخيانة والاغتراب بأسلوب يبدو بسيطًا فى ظاهره، لكنه عميق فى دلالاته وتأثيره، ما منحها قدرة استثنائية على الاستمرار والتجدد عبر العصور.
تدور أحداث المسرحية حول «ميديا»، المرأة الغريبة التى جاءت من وطن بعيد، مدفوعة بحبها لزوجها «ياسون»، الذى ساعدته فى تحقيق طموحاته والوصول إلى المجد، إلا أن هذا الحب يتحطم عندما يقرر «ياسون» التخلى عنها والزواج من امرأة أخرى سعيًا وراء السلطة والنفوذ، فتجد «ميديا» نفسها فجأة وحيدة، بلا وطن ولا دعم، فتتحول مشاعرها تدريجيًا من الحب إلى الغضب، ومن الحزن إلى رغبة جارفة فى الانتقام. وتبلغ هذه الرغبة ذروتها فى قرارها الصادم بقتل أبنائها بيدها، ليس فقط لمعاقبة «ياسون»، بل كفعل تمرد ضد واقعها المنكسر. وهنا تكشف المسرحية عن تحول الحب إلى قوة مدمرة، وعن قدرة الإنسان على تجاوز كل الحدود عندما يشعر بالظلم والخيانة، وهى فكرة تمس جوهر التجربة الإنسانية رغم بساطتها الظاهرية.
وعلى مدار التاريخ، شهدت هذه المسرحية العديد من العروض فى مسارح العالم، سواء فى أوروبا أو أمريكا، حيث قدمها مخرجون كبار برؤى متنوعة، فبعضهم ركز على البُعد النفسى لشخصية «ميديا»، محللًا صراعاتها الداخلية، بينما أبرز آخرون الأبعاد السياسية والاجتماعية للنص.
كما كان لمصر نصيب من هذه التجارب، إذ قُدمت المسرحية فى عروض متعددة على خشبات المسرح القومى وفى مهرجانات مختلفة، إذ سعى المخرجون المصريون فى إعادة تفسيرها بما يتلاءم مع الواقع المحلى، فظهرت «ميديا» أحيانًا كرمز للمرأة المقهورة، وأحيانًا أخرى كتجسيد للوطن أو الهوية، وهو ما يعكس مرونة النص وقدرته على التكيف مع سياقات ثقافية مختلفة.
ومن أبرز المعالجات المعاصرة للنص عرض «أى ميديا» للمخرج سليمان البسام، الذى لم يكتفِ بإعادة تقديم الحكاية فى صورتها التقليدية، بل أعاد صياغتها لتتفاعل مع الواقع العربى الراهن. ففى هذا العرض، لا تقتصر القصة على حكاية امرأة تنتقم من زوجها، بل تتحول إلى منصة لطرح قضايا كبرى مثل اللجوء والصراع بين الشرق والغرب. تظهر «ميديا» هنا كصوت للمهمشين والمقهورين، تصف نفسها بأنها «صوت من لا صوت له»، فى مواجهة «ياسون» الذى يمثل نموذج الإنسان المنجذب إلى القيم الغربية على حساب جذوره، ما يحول الصراع بينهما إلى مواجهة فكرية وثقافية تتجاوز البُعد العاطفى.
ويعتمد العرض على صيغة مبتكرة، حيث تُقدَّم الأحداث فى إطار يشبه برنامجًا إعلاميًا، تجلس فيه «ميديا» فى مواجهة «ياسون» كما لو كانت فى حوار تليفزيونى، وهو توظيف ذكى يربط بين اسم «ميديا» وفكرة الإعلام، ويطرح تساؤلات حول كيفية تصوير الشرق فى وسائل الإعلام الغربية. فى هذا السياق، تتحول «ميديا» إلى رمز لهوية محاصرة ومشوّهة، تسعى إلى الدفاع عن نفسها فى عالم لا ينصت إليها. كما يطرح العرض مفهوم المقاومة، ليس فقط بوصفه فعلًا سياسيًا، بل باعتباره تعبيرًا إنسانيًا عن التمسك بالكرامة والهوية، حتى فى مواجهة خسائر فادحة.
ويبرز العمل أيضًا قضية اللاجئين بشكل مباشر، حيث تشير «ميديا» إلى معاناة آلاف البشر العالقين على الحدود، وتنتقد سياسات الدول التى تسهم فى خلق أزماتهم ثم ترفض احتواءهم، ما يمنح العرض بُعدًا إنسانيًا وسياسيًا معاصرًا. كما يعكس التناقض بين دعوات المقاومة والاستسلام حالة الانقسام فى العالم العربى، حيث تتشابك السياسة مع تفاصيل الحياة اليومية، ويجد الفرد نفسه ممزقًا بين خيارات صعبة ومعقدة.
أما على المستوى المسرحى، فيتميز العرض بالبساطة والتجريد، إذ يخلو تقريبًا من الكواليس التقليدية، ويعتمد بدلًا من ذلك على مؤثرات صوتية وإيقاعية تعكس التوتر النفسى، مثل أصوات السكاكين أو التشويش. كما يستخدم تقنية كسر الإيهام، حيث يخاطب الممثلون الجمهور مباشرة، فى محاولة لإشراكه فى التفكير بدل الاكتفاء بالمشاهدة، وهو ما يعزز من تأثير العرض ويقربه من المتلقى.
وفى النهاية، تظل «ميديا» عملًا حيًا ومتجددًا، سواء فى نصه الأصلى أو فى معالجاته المعاصرة، إذ يقدم حكاية إنسانية عن الوصول إلى أقصى حدود الألم، وعن الصراع بين الحب والانتقام، والانتماء والاغتراب. وهى أسئلة لا تزال مطروحة حتى اليوم، تتعلق بالهوية والعدالة والقوة، وبالتحولات التى قد تطرأ على الإنسان عندما يشعر أن العالم كله يقف ضده، وهو ما يجعل هذه المسرحية قابلة لإعادة القراءة والاكتشاف فى كل زمان ومكان.
















0 تعليق