الوهم والحقيقة.. إدارة الشائعات وبناء الثقة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

الأربعاء 29/أبريل/2026 - 11:21 ص 4/29/2026 11:21:22 AM

المؤكد أننا نحتاج إلى رؤية متماسكة لإدارة التحديات الإعلامية. رؤية ترتكز بشكل أساسى على مواجهة "حروب الشائعات" عبر سرعة الرد، وتطوير أدوات التواصل، والانفتاح على الإعلام الدولى. وهو ما يتسق تمامًا مع طبيعة التحولات الرقمية الراهنة، وتظل هناك عدد من الملاحظات النقدية التى تتعلق بحدود هذه المقاربة وفعاليتها.
الشائعات هى التحدى الأساسى الذى يواجه الإعلام، وهو وصف يعكس جانبًا مهمًا من الواقع. غير أنه فى نفس الوقت، يختزل المشكلة فى نتائجها أكثر من أسبابها. انتشار الشائعات لا يرتبط فقط بوجود مصادر مغرضة ولها أجندة موجهه، بل يرتبط أيضًا بمدى توافر المعلومات، ومستوى الثقة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية. وبناء عليه، فإن التركيز على الردود، مهما بلغت سرعة الاستجابة، لا يكفى بمفرده لمعالجة بيئة تسمح بتداول الشائعة وتضخيمها.
يبرز التأكيد على "الاستجابة السريعة" كأحد أركان التفاعل مع المجتمع. غير أن هذا التوجه، رغم أهميته، قد يؤدى إلى تكريس تصدير رد الفعل، بدلًا من بناء خطاب استباقى قادر على تشكيل الوعى العام. الإدارة الفعالة للمجال الإعلامى لا تقتصر على نفى المعلومات غير الدقيقة، بل تتطلب إنتاج رواية متماسكة ومقنعة.
نحتاج التأكيد على وجود "الرسالة الإعلامية المتزنة" بوصفها وسيلة لتأكيد المصداقية. غير أن مفهوم التوازن، يحتاج إلى توسيع حدوده ليشمل تعددية الرؤى وإتاحة مساحات أوسع للنقاش. أما فيما يتعلق بالاعتماد على التكنولوجيا، بما فى ذلك المنصات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعى، فقد أصبح توجهًا ضروريًا لمواكبة التحولات العالمية. وتظل فعالية هذه الأدوات، مرهونة بمحتوى الخطاب ذاته. التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا يمكن أن تعوض غياب الرسالة المؤثرة أو ضعف قدرتها على مخاطبة اهتمامات الجمهور.
اللجوء للمسارات القانونية فى مواجهة التجاوزات الإعلامية، يطرح تساؤلات إضافية حول كيفية تحقيق التوازن بين ضبط المجال العام والحفاظ على حرية تداول المعلومات؟ خاصة أنه قد ينظر إلى الانفتاح فى هذا الإطار، خاصة من الخارج، باعتباره مؤشر على تقييد حرية التعبير، وهو ما قد يؤثر على الصورة الذهنية لمنظومة الحريات الإعلامية فى مجملها.
فى المقابل، يحسب لهذا الطرح إدراكه لأهمية البعد الداخلى، من خلال التركيز على رفع الوعى المجتمعى وتعزيز التواصل مع المواطنين. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب الانتقال من نموذج الاتصال الأحادى الفردى إلى نموذج أكثر تفاعلية، يتيح تبادل المعلومات ويدعم الإحساس بالمشاركة.
فى ضوء ما سبق، أقول أن السفير علاء يوسف "رئيس الهيئة العامة للاستعلامات" خلال كلمته "مصر والقضايا الإقليمية.. كيف تدار الأزمات إعلاميا؟" التى عقدها الصالون المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى فى 26 أبريل الماضى قد قدم إطارًا مهنيًا هامًا لإدارة التحديات الإعلامية، ولكنها تظل بحاجة إلى تطوير فى اتجاه أكثر شمولًا. المعالجة الفعالة لا ينبغى أن تقتصر على مواجهة الشائعات، بل تمتد إلى بناء مناخ إعلامى قائم على الشفافية والثقة. وبينما تمثل سرعة الاستجابة عنصرًا ضروريًا، إن استدامة التأثير تظل رهينة بقدرة الخطاب على الإقناع، وليس الاكتفاء بالتصحيح.

نقطة ومن أول الصبر..
التحدى الحقيقى لا يكمن فقط فى إدارة تدفق المعلومات وتداولها، بل فى بناء علاقة مستقرة مع الجمهور، مرتكزة على المصداقية والانفتاح، وهى عناصر لا يمكن تحقيقها بأدوات تقنية أو إجراءات إدارية وحدها، بل عبر رؤية متكاملة طويلة المدى.

ads
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق