فى إطار سعى الدولة الحثيث لتحديث المنظومة التشريعية بما يتواكب مع متغيرات العصر ومتطلبات الواقع الاجتماعى، تواصل وزارة العدل إجراء سلسلة من المناقشات الموسعة والحوارات المجتمعية المكثفة بهدف الوصول إلى الصياغة النهائية لمشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد.
يأتى ذلك تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية بضرورة صياغة قانون متوازن وشامل، يضع حلًا جذريًا للمشكلات الأسرية المتراكمة، ويضمن حماية حقوق كل الأطراف، مع إعلاء «مصلحة الطفل الفُضلى» كركيزة أساسية لا تقبل المساومة.
فى هذا السياق، استطلعت «الدستور» آراء نخبة من القضاة السابقين والخبراء المتخصصين فى قضايا الأسرة، للوقوف على رؤيتهم الفنية حول المشروع الجديد، وتحليل مدى قدرة التعديلات المقترحة على معالجة الثغرات القانونية التى أرهقت آلاف الأسر داخل أروقة المحاكم لسنوات طويلة.
رواد حما: حد أدنى مُلزم للنفقة.. وتطبيق «الاستضافة» بدلًا من «الرؤية»
وصف المستشار رواد حما، الرئيس السابق لمحكمة الأسرة، منظومة قانون الأحوال الشخصية بأنها تمثل «جسدًا واحدًا» لا يمكن تجزئته، فأحكام الحضانة والرؤية والنفقة والولاية التعليمية والخُلع هى ملفات مترابطة، تدور جميعها حول تنظيم العلاقة بين أطراف الأسرة بعد الانفصال، مشددًا على أن المعيار الحاكم يجب أن يظل دائمًا هو مصلحة الصغير، بعيدًا عن صراعات «تكسير العظام» بين الطرفين.
وأوضح «حما» أن مسألة الحضانة تُنظم حاليًا وفقًا للمادة ٢٠ من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩، والتى تمد سن الحضانة إلى ١٥ عامًا، ثم يُخيّر الطفل بقرار قضائى، مشيرًا إلى أن النقاش حول اتجاهين، الأول ينادى بالإبقاء على السن الحالية دون تغيير، والثانى يقترح خفض السن إلى ٧ سنوات للولد و٩ للبنت، وهو ما يزال محل دراسة تشريعية.
ونبّه «حما» إلى الرؤى الحديثة بخصوص «سقوط الحضانة»، مُبينًا أن المشرّع يتجه لتبسيط ترتيب الحاضنين ليصبح الأب فى المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم فى حال سقوط حضانتها بدلًا من التدرج التقليدى الذى كان يقدم «أم الأم» و«أم الأب» على الأب، وذلك لضمان استقرار الطفل فى بيئة والديه الطبيعية.
وفيما يتعلق بملف الرؤية، انتقد النظام الحالى الذى يحصر اللقاء فى ٣ ساعات أسبوعيًا بأماكن محددة، مؤيدًا استبداله بنظام «الاستضافة»، الذى يتيح للطفل قضاء فترات أطول مع الطرف غير الحاضن تصل إلى عدة أيام شهريًا. وبالنسبة لمقترح «الرؤية الإلكترونية»، رأى أنها فكرة غير مرجحة كبديل أساسى، لأن الرؤية فى جوهرها تواصل إنسانى ومباشر لا يمكن تحقيقه عبر الشاشات إلا فى حالات الضرورة القصوى، مشيرًا إلى أن الاتجاه الجديد يميل إلى تشديد العقوبات على الممتنعين عن تنفيذ الرؤية، لتشمل الحبس والغرامة معًا لضمان جدية تنفيذ الأحكام.
وانتقل للحديث عن النفقة، مطالبًا بوضع حد أدنى مُلزم، وربط القيمة بنسبة من دخل الأب لضمان واقعية الأحكام، لافتًا إلى أن حكم النفقة واجب النفاذ فورًا، مع إتاحة القانون تحريك دعوى جنائية ضد الممتنع، بعد إنذاره بـ٣ أشهر، ما يعرضه لعقوبة الحبس، التى قد تتجاوز السنة، إلى جانب الغرامة، وفقًا لتوجيهات النائب العام بتفعيل المادة ٢٩٣ من قانون العقوبات.
وشدد على ضرورة تبسيط إجراءات المنع من السفر وترقب الوصول عبر ربطها آليًا بالمنظومة الرقمية فور صدور الحكم لمنع التحايل، قبل أن يدعو أيضًا إلى تفعيل إجراءات تجميد الحسابات البنكية والحجز على الأموال والمنقولات إلكترونيًا، لضمان جدية التنفيذ، ومنع المدين من التصرف فى ممتلكاته حتى الوفاء بحقوق الصغار.
وأشار، كذلك، إلى أهمية الربط الإلكترونى بين المحاكم و١٤ جهة حكومية وبنك ناصر الاجتماعى، بما يتيح تفعيل قرارات المنع من السفر وترقب الوصول، وتجميد الحسابات البنكية، ووقف الخدمات الحكومية، مثل رخص القيادة والتوثيق، للممتنعين عن السداد، حمايةً لحقوق الصغار ومنعًا للتحايل. كما نبّه إلى أهمية تفعيل دور «صندوق تأمين الأسرة، لضمان صرف النفقات بشكل عاجل فور صدور الأحكام، على أن تتولى الدولة تحصيلها لاحقًا.
أما عن الولاية التعليمية، فقال إنها تظل من حق الحاضن لتمكينه من إدارة الشئون المدرسية للطفل، مع اشتراط عدم التعسف أو الإضرار بالطرف الآخر عند نقل الطفل من مدرسة إلى أخرى.
ورأى «حما» أن التطبيق الحالى لـ«الخُلع» أسهم فى رفع معدلات الطلاق بشكل لافت، ما أثّر على استقرار الأسرة، مطالبًا بإعادة تنظيمه وتشديد ضوابطه، وإخضاعه لرقابة قضائية أكثر دقة، مع محاولات صلح حقيقية قبل الحكم بالتفريق.
ومن هذا المنطلق، طالب بإلغاء نظام «الخُلع» بصورته الحالية، أو على الأقل إعادة تنظيمه وتشديد ضوابطه بشكل صارم، بحيث لا يكون وسيلة سهلة لإنهاء العلاقة الزوجية، وإنما يخضع لرقابة قضائية أكثر دقة، ومحاولة جادة للإصلاح قبل الحكم بالتفريق.
وأضاف: «الهدف من هذا الطرح ليس المساس بحقوق المرأة، وإنما الحفاظ على كيان الأسرة ومنع تفككها، مع تحقيق التوازن بين الطرفين، وضمان عدم التعسف فى استخدام هذا الحق».
واختتم بتأكيد أن التعديل التشريعى المرتقب يجب أن يكون شاملًا، يوازن بين الردع القانونى والرحمة الإنسانية، مع بقاء مصلحة الطفل الفُضلى كقيمة عليا لا يُعلى عليها، لضمان مستقبل أكثر استقرارًا للأجيال القادمة.
أحمد الملط: الأهم وجود إطار قانونى دقيق لتنفيذ البنود المقترحة
رأى المستشار أحمد جودت الملط، القاضى السابق، أنه لم يعد مقبولًا أن تظل تشريعات الأحوال الشخصية فى مصر رهينة معالجات جزئية أو استجابات ظرفية لضغوط اجتماعية متزايدة، بل بات لزامًا أن تُبنى على فلسفة تشريعية متكاملة تُوازن بين استقرار الأسرة وضمان الحقوق الفردية، فى إطار من اليقين القانونى الذى لا يتزعزع بتغير الأحكام أو اختلاف التقديرات.
وقال «الملط» إن مشروع قانون الأحوال الشخصية، الجديد يحمل توجهًا محمودًا نحو تحقيق التوازن بين أطراف العلاقة الأسرية بعد الطلاق، مع تأكيد مبدأ «مصلحة الطفل الفُضلى» باعتباره حجر الزاوية فى التنظيم التشريعى.
وبشأن إعادة ترتيب الحضانة، بحيث تنتقل مباشرة إلى الأب حال سقوط حق الأم، قال إن ذلك يطرح تساؤلًا حول مدى توافقه مع فلسفة الحضانة ذاتها، التى تقوم فى جوهرها على رعاية الصغير لا على مجرد ترتيب شكلى للأولوية، معتبرًا أن الانتقال المباشر قد يُحول الحضانة من نظام رعاية متدرج يراعى مصلحة الطفل إلى أداة تنازع بين الأبوين، خاصة فى غياب تقييم دقيق لمدى صلاحية الحاضن البديل فى كل حالة على حدة.
وواصل: «فيما يتعلق باستبدال نظام (الرؤية) بنظام (الاستضافة)، المشروع يُحسب له سعيه لتعزيز العلاقة بين الطفل والطرف غير الحاضن، لكن هذا التوجه، رغم وجاهته من حيث المبدأ، يظل مرهونًا بوجود آليات تنفيذ واضحة وحاسمة، خاصةً أن التجربة العملية أمام المحاكم تكشف عن أن مشكلات التنفيذ، لا النصوص، هى التى تُفرغ كثيرًا من الأحكام من مضمونها، ومن ثم فإن إقرار نظام (الاستضافة) دون إطار تنفيذى دقيق يحدد الضوابط والجزاءات، قد يفضى إلى زيادة النزاعات بدلًا من الحد منها».
واتفق المستشار الملط مع اقتراح عدم سقوط الحضانة تلقائيًا بزواج الحاضنة، معتبرًا أنه توجه يتسق مع الاعتبارات الواقعية ومصلحة الطفل، غير أن ترك الأمر برمته للسلطة التقديرية للمحكمة، دون وضع معايير إرشادية واضحة، قد يؤدى إلى تفاوت ملحوظ فى الأحكام، وهو ما يتعارض مع مقتضيات الاستقرار القانونى.
وأشار إلى أن التعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية تتجه إلى التوسع فى منح القاضى سلطة تقديرية واسعة فى الفصل بين النزاعات، معتبرًا أن هذا التوجه يحمل جانبًا إيجابيًا يتمثل فى تمكين القاضى من تحقيق العدالة وفقًا لظروف كل حالة على حدة.
وأضاف: «هذه السلطة، رغم أهميتها، قد تتحول إلى سلاح ذى حدين فى حال غياب ضوابط تشريعية واضحة تنظم استخدامها، فذلك قد يؤدى إلى تفاوت فى الأحكام بين القضايا المتشابهة، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار المراكز القانونية».
وواصل: «غياب معايير محددة قد يثير حالة من عدم اليقين لدى المواطنين بشأن حقوقهم، بما قد يؤثر على ثقتهم فى عدالة المنظومة القانونية»، مشددًا على ضرورة وضع إطار تشريعى منضبط يحقق التوازن بين مرونة القاضى وضمان وحدة تطبيق القانون.
ونبّه إلى أن تحقيق العدالة فى مسائل الأحوال الشخصية لا يكون بتغليب طرف على حساب آخر، ولا بإقرار حلول تبدو عادلة فى ظاهرها بينما تفتقر إلى الأساس القانونى المتين، وإنما يكون ببناء منظومة تشريعية متكاملة تُحدد الحقوق والالتزامات بوضوح، وتضع من الضوابط ما يكفل حسن تطبيقها، وتُفعّل من الآليات ما يضمن تنفيذها على نحو فعّال.
واختتم القاضى السابق حديثه بتأكيد أن «مصلحة الطفل الفُضلى»، التى يتخذها المشروع منطلقًا، لا ينبغى أن تُستخدم كشعار عام، بل يجب أن تُترجم إلى قواعد منضبطة قابلة للتطبيق، تحقق التوازن الحقيقى بين أطراف العلاقة الأسرية، وتُرسخ فى الوقت ذاته مبادئ العدالة التى يقوم عليها أى نظام قانونى سليم.
مقترحات بإيقاف الحسابات البنكية للممتنعين عن النفقة والمتهربين بـ«شهادات الفقر»
استقبل عدد كبير من السيدات، خاصة المطلقات، قرار المستشار محمود حلمى الشريف، وزير العدل، بشأن تعليق بعض الخدمات الحكومية عن الممتنعين عن سداد النفقة، بفرحة كبيرة، معتبرات أنه يمثل انتصارًا حقيقيًا لحقوقهن وحقوق أبنائهن بعد سنوات من المعاناة فى تنفيذ أحكام النفقة.
وأشادت «نورا. ع»، وهى موظفة وأم لطفلين دون الثامنة، بقرار وزير العدل، مشيرة إلى أن زوجها الهارب خارج البلاد سيعود يومًا ما، ويحتاج لإنهاء أوراقه الرسمية، وحينها سيصطدم بالقرار.
وروت «نورا» مأساتها قائلة إنها كانت متزوجة من شخص ميسور الحال، وعندما أخبرته بحملها فى طفلهما الثانى، رفض الجنين بدعوى عدم رغبته فى تحمل مسئوليات جديدة، لتستيقظ فى اليوم التالى وتكتشف هروبه إلى بولندا، تاركًا إياها وهى فى شهور حملها الأولى.
وأضافت أن أهل زوجها حاولوا طردها من مسكن الزوجية بعد أن تنازل نجلهم عنه لوالده، إلا أن المحامى العام مكّنها من المسكن، مشيرة إلى أنها لم ترَ زوجها منذ ٥ سنوات، ولم ينفق جنيهًا واحدًا على أسرته طوال هذه الفترة، قبل أن تكتشف أيضًا طلاقها منه غيابيًا عند محاولتها استخراج «ولاية تعليمية» لطفليها.
أما أمنية رمضان فاقترحت أن تُلزم وزارة العدل البنوك بإيقاف الحسابات البنكية للأزواج الممتنعين عن الدفع لإجبارهم على سداد نفقة صغارهم، معتبرة أن هذا الإجراء يمنع التحايل على القانون عبر «شهادات الفقر المزورة»، فى ظل أن الحسابات البنكية تخضع إلى رقابة صارمة لا يمكن التلاعب بها.
وأشارت إلى حصولها على آخر نفقة لابنتها فى ديسمبر ٢٠٢١، ورغم أن المبلغ لا يتجاوز ٢٠٠٠ جنيه، اختفى طليقها تمامًا وامتنع عن الإنفاق، معتبرة أن ربط النفقة بالخدمات الحكومية قد لا يؤثر عليه، لأن المعاملة الوحيدة التى قد يحتاجها هى تجديد البطاقة الشخصية كل ٧ سنوات، خاصة بعدما تنازل عن كل أملاكه لأشقائه.
ولا تختلف مأساة «رانيا» كثيرًا، فالسيدة التى تعمل فى القطاع الخاص لإعالة أبنائها الثلاثة لم تتمكن من صرف النفقة بسبب تعمد طليقها الاستئناف على كل الأحكام الصادرة ضده، لتقليل المبالغ عبر «ثغرات قانونية». وقالت «رانيا» إن طليقها يرى أطفاله بانتظام كل سبت، ومع ذلك يمتنع تمامًا عن تحمل مصاريف مأكلهم أو ملبسهم أو دراستهم، ويتحايل على القانون بتقديم أوراق مزورة تفيد بأنه «عاطل عن العمل» بالرغم من قدرته المالية، متخذًا من إجراءات التقاضى الطويلة وسيلة للتهرب من المسئولية.
ووصف المحامى شعبان سعيد قرار وزير العدل بتعليق الخدمات الحكومية للمحكوم عليهم فى أحكام النفقة، الممتنعين عن سدادها، بأنه يمثل أداة ردع قوية لمواجهة الآباء المتخلين عن دورهم فى الإنفاق على أبنائهم، معتبرًا أنه يسهم فى حصار المتهربين، وإجبارهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية تجاه أسرهم. وأضاف «سعيد»: «الامتناع عن الإنفاق فى بعض الحالات يكون نتاجًا لحالة من العناد، إذ يتعمد بعض الآباء حجب النفقة بسبب شعورهم بالظلم نتيجة عدم تمكنهم من رؤية أبنائهم بطريقة آدمية تليق بالروابط الأسرية، وهو ما يخلق فجوة عميقة تؤثر فى النهاية على مصلحة الصغير». ورأى أن الرهان المقبل يرتكز على قانون الأسرة الجديد، الذى يتوقع أن يحدث طفرة فى التوازن الأسرى عبر إقرار نظام «الاستضافة»، الذى يتيح المشاركة الحقيقية للأب فى حياة أبنائه الاجتماعية والتعليمية.
















0 تعليق