“تجويع استراتيجي” في درافور: الطائرات المسيرة تضرب شريان الإغاثة

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يشير استهداف قافلة مساعدات إنسانية بطائرة مسيّرة في ولاية شمال دارفور إلى تحول خطير في طبيعة الصراع السوداني، حيث لم تعد المواجهات تقتصر على السيطرة العسكرية، بل امتدت إلى ضرب البنية الإنسانية ذاتها. فالهجوم الذي دمّر شاحنة تابعة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين كانت في طريقها إلى بلدة طويلة، لا يعكس فقط تصعيدًا عسكريًا، بل يكشف عن ملامح سيناريو جديد يمكن وصفه بـ”التجويع الاستراتيجي” عبر استهداف خطوط الإمداد الإنساني.

الواقعة، التي أدانتها الأمم المتحدة، تكتسب أهميتها من توقيتها ومكانها، إذ تأتي في ظل تزايد الاعتماد على الطائرات المسيّرة من قبل أطراف النزاع منذ مطلع 2026، وتحولها إلى أداة رئيسية لضرب أهداف بعيدة دون الاحتكاك المباشر. هذا النمط من الهجمات يعزز فرضية أن الصراع في دارفور يتجه نحو “حرب لا تلامسية”، تعتمد على التكنولوجيا لإضعاف الخصم عبر استهداف المدنيين والبنية اللوجستية بدلًا من المواجهة التقليدية.

وبالنظر إلى أن القافلة كانت تحمل معدات إيواء طارئة موجهة لأكثر من 700 ألف نازح في طويلة، فإن تدميرها يفتح الباب أمام تداعيات إنسانية قاسية، حيث ستُحرم نحو 1314 عائلة من الحد الأدنى من المأوى، في منطقة تعاني أصلًا من نقص حاد في الغذاء والخدمات. هذا التطور يضع المنظمات الدولية أمام تحدٍ غير مسبوق، يتمثل في كيفية إيصال المساعدات في بيئة باتت فيها حتى القوافل الإنسانية أهدافًا محتملة.

السيناريو الجديد الذي يفرض نفسه هنا يتجاوز مجرد “استهداف عرضي” لقافلة إغاثة، إلى نمط ممنهج من تقويض العمل الإنساني. فمع تكرار الهجمات على القوافل في دارفور وكردفان، تتشكل معادلة خطيرة: كلما زادت الحاجة للمساعدات، ارتفعت احتمالات استهدافها، ما يخلق دائرة مفرغة من المعاناة. ويُخشى أن يؤدي ذلك إلى انسحاب تدريجي للمنظمات الدولية أو تقليص عملياتها، تحت ضغط المخاطر الأمنية.

في السياق العسكري، يعكس استخدام الطائرات المسيّرة ضد قوافل مدنية محاولة لإعادة تشكيل موازين القوة عبر “الضغط غير المباشر”. فبدلًا من خوض معارك مكلفة، يمكن للطرف المهاجم إضعاف خصومه عبر ضرب الحاضنة المدنية، وحرمانها من الدعم الإنساني، ما يؤدي إلى إنهاك المجتمعات المحلية، وربما دفعها إلى النزوح أو تغيير مواقفها.

لكن هذا التكتيك يحمل مخاطر ارتدادية، إذ قد يؤدي إلى تصعيد دولي، خاصة مع تزايد التوثيق الأممي لهذه الهجمات. فاستهداف قوافل الإغاثة يُعد انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي الإنساني، وقد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية أو عقوبات، أو حتى تدخلات أوسع لحماية الممرات الإنسانية.

في المقابل، تبدو المناطق التي تستقبل النازحين، مثل طويلة، على حافة الانهيار الإنساني. فمع تدفق مئات الآلاف من الفارين من الفاشر ومحيطها، وتراجع قدرة المنظمات على الإمداد، تتشكل بيئة خصبة لأزمات مركبة: مجاعة محتملة، انتشار الأمراض، وتفكك النسيج الاجتماعي داخل المخيمات.

 ويكشف الهجوم عن انتقال الصراع في السودان إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد الجغرافيا وحدها هي ساحة المعركة، بل أصبحت المساعدات الإنسانية نفسها هدفًا استراتيجيًا. وإذا استمر هذا النمط، فإن دارفور قد تدخل مرحلة “حرب ضد البقاء”، حيث يصبح الوصول إلى الغذاء والمأوى تحديًا يوميًا يفوق في خطورته القصف والاشتباكات.
 

الدستور TV

هنا السودان من القاهرة

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق