«قلنالك جيِّنلك ولا تهنا ولا نسينا».. يا سيناء

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

صباح ٢٤ أبريل من كل عام نستمع إلى «حليم» فى أنشودته الرائعة «صباح الخير يا سينا»، نعرف أنها أعياد سيناء، هكذا بات الفن أحد روافد القوة الناعمة سجلًا حافظًا وحافلًا بالبطولات والانتصارات لحفظ ذاكرة الحروب والانتصارات وصياغة رواية الأمم عن نفسها.
ارتبطت ذاكرتى منذ طفولتى بأعياد سيناء حين نستمع إلى الأغانى الوطنية، كنت أحلم بزيارة «أرض الفيروز»، كما يطلق عليها من بين الأسماء التى عرفت بها أرض البطولات والتضحيات.. إلى أن جاءت الفرصة انطلقت نحوها عام ٢٠٠٧ فى مهمة عمل صحفية لتغطية حدث غاية فى الأهمية.. بشغف وحب، عزمت السفر دون معلومات عن طبيعة الحياة فى سيناء.. استقليت سيارة أجرة من موقف الأتوبيس «المرج الجديد»، ماركة «بيجو» القديمة ٧ راكب.. لم يكن سيدة غيرى بين الركاب، قطعنا ما يزيد على ٣١٠ كيلومترات وصولًا إلى مدينة العريش عاصمة شمال سيناء، أولى المفاجآت كانت فى انتظارى لم أجد مكان إقامة مناسبًا.. أغلب الأماكن غير مجهزة، عثرت على غرفة فى بنسيون لا يتجاوز سعر الإقامة ٥٠ جنيهًا فى اليوم الواحد، أغلب نزلاء هذه الفنادق المتواضعة من المرضى القادمين من قطاع غزة لتلقى العلاج فى مصر، أو ممن ينتظر الموافقة للعودة إلى القطاع.. نجحت فى الحصول على إقامة فى نزل الشباب بالعريش، بمساعدة الزميل الكاتب الصحفى «صلاح البلك» والناشط السيناوى «مسعد أبو فجر» قبل أن يتحول إلى معارض كاره للوطن، سأحكى عنه لاحقًا.. المكان فى نزل الشباب موحش شبه خالٍ من البشر باستثناء مجموعة لا تتجاوز أصابع اليد.. كانت ليلة مرعبة بالنسبة لى، فأنا لست على دراية بطبيعة المكان.. شقشق الصبح وتنفست الصعداء، كنت على موعد مع أحد أبناء قبيلة «الترابين» لحضور مؤتمر فى إحدى قرى رفح المصرية، فى تلك الفترة لم يكن مسموحًا لأحد الدخول إلى مدينة «الشيخ زويد» أو النزوح إلى أبعد من هذه النقطة، نجحت فى الوصول إلى مكان الحدث عبر دروب الصحراء بعيدًا عن الطريق العام.. مكان المؤتمر وسط صحراء شاسعة لا معالم لها سوى تجمع هائل من أبناء القبائل السيناوية، مئات -قد تصل إلى الآلاف- من سيارات الدفع الرباعى مدججة بالسلاح، متراصة فى نصف دائرة تتوسطها خيمة كبيرة، دلفت إلى الداخل واحتجزت مقعدًا.. بدأ المؤتمر بالسلام الجمهورى، تبعته كلمات عن ممثلى القبائل منهم من هو مؤيد للنظام السابق، ومنهم المعارض.. وإن أجمع الحضور على أهداف محددة تم طرحها بين كلماتهم.. لماذا أهملت الدولة تنمية سيناء؟، لماذا يعزل بدو سيناء وآخر حدودهم للتنقل «الشيخ زويد»؟.. لماذا لا يحق لمواطن مصرى أن يتجول فى العريش بزيه البدوى.. لماذا لا يلتحق أبناء البدو بكليات الشرطة والحربية؟.. لماذا لا يسمح لنا بالتنقل بين المحافظات الأخرى؟.. وتساؤلات لا تنتهى تحمل معاناة هؤلاء وإهمال الدولة لهم.. حملت همومهم فى كتاباتى.. وتعرفت على نساء سيناء، اقتربت منهن لاسيما أن أغلب شكاواهن من أن أزواجهن مطلوبون أمنيًا دون أى محاكمة.. وإن كانت التهمة الرئيسية للأزواج هى «تجارة السلاح».

عدت من هذه الرحلة بالقصص والحكايات المغلفة بالأوجاع، ولم تكن الرحلة الأخيرة.. بدأت فى كتابة سلسلة من الموضوعات الصحفية.. هنا أقولها بقوة لقد لعبت الصحافة دورها الحقيقى فى نقل ما يحدث على أرض الواقع بمعايير مهنية استجاب لها صانع القرار.. التفت لها المسئول.. ما لبثت الأوضاع أن تستقر وتغيرت المعاملة حين ذهب إلى سيناء اللواء «عدلى فايد» مدير الأمن العام فى عهد الرئيس «حسنى مبارك» للاستماع إلى شكاوى بدو سيناء تحديدًا نهاية يونيو ٢٠٠٧.. وأنصت إلى أبناء البدو والحضر، وتم اتخاذ اللازم من أجل احتواء الأزمة الأمنية آنذاك.

كانت التنمية المستدامة لسيناء أحد أهم المطالب، خاصة أن نائب الشعب الراحل الدكتور «حسام الرفاعى» دائم التقدم بطلبات إحاطة إلى البرلمان، ونشر دراسات علمية قام بها باحثون للتأكيد أن إعمار سيناء بالسكان وتنميتها هو الحل فى مواجهة الإرهاب والأطماع فى هذه البقعة الغالية من الوطن.

باتت الإشكالية تبحث عن حل، هل سيناء أرض حرب فى ظل عدو متربص بنا على الحدود الشرقية، أم الهدف هو إعمارها بالسكان؟.. حين قامت أحداث ٢٥ يناير وعمت الفوضى البلاد ومع وصول حكم «الجماعة الإرهابية» لسدة الحكم كان من بين أهدافهم التفريط فى سيناء.. تركوها مرتعًا للجماعات الإرهابية انطلاقًا من مبدأهم «لا قيمة للوطن»، مقابل «الإمارة الإسلامية» مشروعهم الكبير.. وما لبث الأمر بعد مضى عام، قامت ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣ ونجح الشعب فى تطهير الوطن من الجماعة الإرهابية، بحكم القانون أنها «جماعة إرهابية».. وظلت القضية معلقة، هل سيناء أرض حرب، أم التنمية وإعمارها بالبشر هو الحل؟..

مع تولى الرئيس «عبدالفتاح السيسى» رئاسة مصر، وضع خطة التنمية المستدامة ٢٠٣٠ لمصر، واحتجز لسيناء نصيبًا أكبر.. بعد إعلان الحرب على الإرهاب ٢٠١٨ وتطهير مصر عامة وسيناء خاصة من منابع الإرهاب.. وأثناء الحرب على الإرهاب تم تنفيذ مشروع ربط سيناء بـ٤ أنفاق وإنشاء شبكة طرق تتحدى كل الحواجز بين أقطاب الوطن كافة، لا بحار ولا قنوات تفصل «سيناء» عن نبض الوطن، ثم جاءت الإجابة واضحة تتحدى الزمن، نعم لتعمير سيناء نعم للتنمية المستدامة مع وجود شريط على حدود مصر الشرقية يحمى سيناء، وأصبحت منطقة عازلة بيننا وبين العدو المتربص بنا هى حصن أمان لمصر ولسيناء.. حين تؤكد الجغرافيا والتاريخ أن إسرائيل عدو حقيقى لشعب مصر، وكل الاحتمالات تشير إلى أن ثمة نشوب حرب قد تحدث يومًا ما، أو كما قال رئيس مصر: «كل الاحتمالات قائمة».

مع مرور الوقت والأحداث ومن خلال متابعتنا لقضية سيناء، أيقنا جميعًا أن تنمية سيناء هى الواقع الذى يتحقق رويدًا رويدًا.. تنمية سيناء الشاملة هى الحقيقة فى مواجهة كل التحديات عبر الزمن... «قلنالك جينالك وجينالك ولا تهنا ولا نسينا» رائعة الشاعر الكبير «عبدالرحمن الأبنودى» وألحان «كمال الطويل».

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق