سيناء.. حين يتجدد الفخر كل عام

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فى كل عام، حين تطل ذكرى تحرير سيناء، تختلط المشاعر بين الفخر والفرح، ولِمَ لا، وهى واحدة من تلك اللحظات التى لا تغادر الوجدان، بل تتجدد مع كل عام، كأنها وعد متجدد بين الأرض وأبنائها بأن ما استعيد بالدم لن يفرط فيه أبدًا.

وفى الذكرى الرابعة والأربعين، بدت سيناء أكثر حضورًا، بوصفها قصة وطن كُتبت بدماء أبنائه، ثم أعيدت صياغتها بإرادة البناء والتنمية.
لم تكن هذه الذكرى بالنسبة لى مجرد مناسبة عابرة، بل كانت لحظة تأمل عميقة، خاصة بعدما أتيحت لى فرصة زيارة هذا المكان مؤخرًا، والحديث مع عدد من أهالى سيناء، وكذلك بعض القادة العسكريين الذين كانوا جزءًا رئيسيًا من هذه الرحلة، بداية من نكسة 1967 وصولًا إلى مرحلة التنمية والعمران فى 2026.

وعند الحديث مع هؤلاء، لفت انتباهى فى وجوههم ذلك المزيج النادر من الفرح والفخر، فرحٌ هادئ لا صخب فيه، وفخر راسخ لا يحتاج إلى إعلان.

وكان واضحًا أن هذه المشاعر لا تتكرر كما هى، بل تتجدد وتتعاظم عامًا بعد عام، وأدركت حينها أن سر هذا التنامى فى الفخر لا يرتبط فقط بذكرى النصر التاريخى، بل بما تلاها من انتصارات أخرى لا تقل أهمية، بل ربما تفوقها تعقيدًا.

فقد شهدت سيناء معركة من نوع مختلف، معركة ضد الإرهاب الذى حاول أن ينتزع منها استقرارها ويشوه وجهها، لكن الدولة المصرية، بعزيمة لا تلين، نجحت فى اقتلاع جذور هذا الخطر، لتعيد إلى الأرض أمنها، وإلى الإنسان فيها حياة كريمة تليق بكل مصرى ومصرية على أرض هذا الوطن.

ومع انحسار الإرهاب، لم تتوقف الحكاية، بل بدأت مرحلة جديدة أكثر عمقًا وأبعد أثرًا، تنمية شاملة امتدت فى كل اتجاه، من طرق تشق فى قلب الصحراء، إلى مدن تنبض بالحياة، إلى مشروعات تفتح أبواب الأمل أمام الأجيال القادمة.

فلم تعد سيناء مجرد أرض تم تحريرها، بل أصبحت أرضًا تُعمر وتُبنى، وكأن الدولة تقول بالفعل لا بالقول: «إن الحفاظ على الأرض لا يكون فقط بالدفاع عنها، بل بإحيائها».

وفى خضم هذه التحولات، برز تحدٍ آخر لا يقل خطورة، تمثل فى محاولات استهداف سيناء بمخططات تهجير الفلسطينيين إليها، وهى محاولات تستهدف، فى جوهرها، إعادة تشكيل الواقع الديموغرافى والجغرافى للمنطقة، إلا أن الموقف المصرى جاء حاسمًا وواضحًا، رافضًا لهذه المخططات، ومؤكدًا أن سيناء ستظل أرضًا مصرية خالصة، لا تقبل المساومة، ولا تكون بديلًا عن حق الشعوب فى أراضيها.

ومن هنا يكتمل المشهد، نصر عسكرى أعاد الأرض، وانتصار أمنى طهرها من براثن الإرهاب، ورؤية تنموية أعادت إليها الحياة، وموقف سياسى حمى هويتها، وفى القلب من كل ذلك، يقف الإنسان المصرى، عسكريًا كان أو مدنيًا، شاهدًا على رحلة لم تكن سهلة، لكنها كانت حتمية.

وفى ذكرى تحريرها الرابعة والأربعين، لم تعد سيناء مجرد ذكرى نحتفى بها، بل تجربة متكاملة تعكس قدرة هذا الوطن على تجاوز المحن، وتحويل التحديات إلى فرص.

ومع كل عام، لا تتجدد الذكرى فحسب، بل يتجدد معها الإيمان بأن هذه الأرض، التى ارتوت بدماء أبنائها، ستظل دائمًا رمزًا خالدًا للتضحية والفداء، وعنوانًا لوطن يعرف كيف ينتصر.. ثم يبنى.. ثم يحمى ما أنجزه.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق