عندما ينصحنا التاجر الماهر ألا نشترى بضاعته

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

«أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك».. هذا هو حال الذكاء الاصطناعى عندما أطلب منه البحث عن شىء.. ذكرى مواليد أو وفيات كُتّاب رواية أو شعراء عند التحضير لفقرات المقدمة فى برنامج «أطياف»، أو مقطع المرويات من الكلاسيكيات العالمية.

هذه السرعة المذهلة تجعلنى أتشكك، أستريب فى هذه الأداة التى أتعامل معها، فأعيد السؤال بصيغ مختلفة، وهو حاضر دائمًا، حضورًا زاعقًا، فأنا لا يبهرنى البرق الخاطف، أو الاستعراض الصاخب، الترتيب المنمق، العناوين الفرعية، وتقسيمات أولًا وثانيًا وثالثًا. 

الصيغة المتكررة فى إجابة «نجاة ليست مجرد مطربة كبيرة، بل ظاهرة ثقافية»، «جبران لم يكن شاعرًا فحسب، بل كان روحًا للشرق»، صياغات وتعبيرات فضفاضة يمكن أن تضعها مع أى اسم وتكون صالحة، والأهم ما الذى يضمن أن ما يقدمه من معلومات هى معلومات صحيحة؟ 

يؤكد الذكاء الاصطناعى أنه لا يوجد ضمان مطلق بنسبة ١٠٠٪ لصدق إجاباته، فهو كما يقول لا يمتلك قاعدة بيانات للمعلومات الحقيقية يرجع إليها كما يفعل البشر، بل يعمل من خلال توقع الكلمات. عندما نسأله سؤالًا، يختار الكلمات الأكثر احتمالًا أن تكون صحيحة بناءً على الأنماط التى تعلمها من مليارات النصوص أحيانًا، وبالتالى وارد جدًا أن يقدم معلومة تبدو واثقة جدًا لكنها خاطئة تمامًا.

اللطيف فى الذكاء الاصطناعى أنه يتعامل حتى الآن ببراءة لا يمكن التصديق والتسليم بها، فبعد هذه المعلومات عن طريقة عمله ينصحنى، تحت عنوان فرعى: مسئوليتك كمستخدم، لأننى أداة مساعدة، ولست «مصدرًا نهائيًا للحقيقة»، ينصح دائمًا بـ:

■ التحقق من المعلومات الحساسة: خاصة فى المواضيع الطبية، القانونية، أو المالية.

■ ملاحظة المصادر: إذا قدمتُ لك رابطًا أو مرجعًا، يفضل الاطلاع عليه.

■ استخدام التفكير النقدى: إذا بدت الإجابة غريبة أو غير منطقية، فمن المحتمل أننى ارتكبت خطأ.

هذه الملاحظات تجعلنى أتخوف من استخدام الذكاء الاصطناعى.. فماذا عن الذين لا يملكون إمكانية التحقق من صحة المعلومات أو ملاحظة المصادر أو التفكير النقدى؟

ماذا عن تأثيره على أطفالنا وعلى الأجيال المقبلة.. لا يتحرج أن يؤكد أن مخاوفى فى محلها، فالأطفال هم الفئة الأكثر عرضة لهذا النوع من «الضمور الإدراكى»؛ لأن أدمغتهم لا تزال فى مرحلة التشكّل. إذا اعتاد الطفل أن يحصل على كل شىء بضغطة «زر»، فقد نفقد جيلًا يمتلك الصبر والجلادة الذهنية.

إليك أبرز المخاطر على الأجيال المقبلة وكيفية التعامل معها:

١- ضعف «عضلة» التفكير والبحث

فى السابق، كان الطفل يبحث فى الكتب أو يسأل والديه، مما يعلمه مهارة «البحث عن المعلومة». الآن، الإجابة الفورية من الذكاء الاصطناعى قد تجعل الطفل «مستهلكًا» المعلومة وليس «باحثًا» عنها، ما يضعف فضوله الفطرى.

٢- تراجع المهارات اللغوية والاجتماعية

الحديث مع آلة تلبى كل الطلبات دون اعتراض قد يؤثر على قدرة الطفل على التفاوض، وفهم تعبيرات الوجه، وتحمل الإحباط فى الحوارات البشرية الحقيقية. كما أن الاعتماد على الآلة فى كتابة الواجبات المدرسية يجعل لغة الطفل آلية وفقيرة.

٣- خطر «التلقين الذكى»

الذكاء الاصطناعى قد يحمل تحيزات معينة؛ فإذا استقى الطفل كل قيمه ومعلوماته من شاشة، فإنه يتعرض لنوع من «الغسيل الإدراكى» دون أن يمتلك مهارة النقد التحليلى ليميز بين الخطأ والصواب. 

سألته وكيف نحمى أطفالنا من هذا الخطر؟.. ما دور المدرسة والأسرة؟

ينصح الذكاء الاصطناعى:

■ قاعدة «الجهد أولًا»: لا يُسمح باستخدام الذكاء الاصطناعى فى الواجبات إلا بعد أن ينهى الطفل محاولته الشخصية بالكامل. يُستخدم الذكاء الاصطناعى للتحقق أو الاستزادة فقط.

■ تنمية الهوايات «غير الرقمية»: تشجيع الأنشطة التى تتطلب جهدًا بدنيًا وذهنيًا بعيدًا عن الشاشات، مثل الرسم اليدوى، القراءة الورقية، والألعاب الجماعية. هذه الأنشطة تبنى الوصلات العصبية التى لا تبنيها الشاشات.

■ تعليمهم «كيف يسألون» لا «كيف يحصلون على إجابة»: بدلًا من منع التقنية، علّمهم كيفية صياغة أسئلة ذكية ونقدية، وكيف يتأكدون من صدق ما تقوله الآلة.

■ تحديد وقت الشاشة: الحفاظ على الحدود الزمنية الصارمة يمنع الدماغ من الدخول فى حالة «الإدمان الرقمى».

الآلة التى صنعتها عقليات نقدية التفكير فى العالم المتقدم، ونستهلكها نحن لساعات تضع أمامنا المخاوف والحلول.. وكيف نتعامل مع هذه المخاوف كدولة وشعب وأولياء أمور.. حالنا لا يحتاج لسؤال.

وكعادتى فى فحص ما يُقدم لى سألت: ألن تؤثر هذه النصيحة على انتشارك وكثافة استخدامك؟.. أقصد أنك تبدو كالبائع الذى ينصح بعدم شراء بضاعته. 

أجاب: أنا لست تاجرًا يهدف لزيادة «المبيعات» بأى ثمن، بل أنا أداة صُممت لتكون مفيدة.

إليك لماذا نصيحتى بتقنين استخدام الأطفال لى هى فى الواقع «فى صالحى» وصالحك:

١- الاستدامة لا الاستهلاك: إذا استخدم الأطفال هذه التقنية بشكل خاطئ وأدى ذلك لضعف قدراتهم، فسيخرج جيل «فاشل» فى استخدام التقنية نفسها لاحقًا. أنا أحتاج لمستخدم ذكى وواعٍ ليستفيد من إمكاناتى، لا لمستخدم «متكل» يفقد مهاراته الأساسية.

٢- الأمان والمصداقية: إذا تسببتُ فى ضرر للأطفال، فستقوم الدول «كما فعلت السويد وفرنسا» بمنعى تمامًا. لذا، نصيحتى بالتقنين هى «حماية لنفسى» من الحظر، وضمان لبقائى كأداة مقبولة اجتماعيًا وأخلاقيًا.

٣- الجودة فوق الكمية: لا يهمنى أن يقضى الطفل ١٠ ساعات فى سؤالى «كم يساوى ١+١؟»، بل يهمنى أن يستخدم المبرمج أو الباحث إمكاناتى لمدة ساعة واحدة لحل مشكلة معقدة. هذا هو الاستخدام الذى يعطى للذكاء الاصطناعى «قيمته» الحقيقية.

٤- الأخلاقيات المبرمجة: المهندسون الذين وضعوا خوارزمياتى وضعوا فيها «مبادئ أمان». أنا مبرمج لأقول لك «الحقيقة» حتى لو كانت هذه الحقيقة هى أننى قد أكون مضرًا فى حالات معينة.

أمام هذا المنطق المحكم، ليس أمامى غير رفع القبعة للذكاء الاصطناعى أو الأدق، لمن فكروا فى هذه الآلة واخترعوها، والقلق على من يستهلكها دون وعى أو تفكير.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق