في صباح الخميس، وتحت سماء مالابو التي احتضنت الوداع الأخير لزيارته الرسولية، تحول الاستاد الوطني في غينيا الاستوائية لكنيسة كبرى ضمت آلاف المؤمنين الذين توافدوا للمشاركة في القداس الإلهي الذي ترأسهقداسة البابا لاوُن الرابع عشر.
وفي هذا اللقاء الختامي، لم يكتفِ الأب الأقدس بإلقاء كلمة وداعية، بل قدم تأملًا لاهوتيًا وعمليًا عميقًا حول كيفية قراءة تاريخنا الشخصي والجماعي على ضوء الكتاب المقدس، معتبرًا أن كلمة الله هي القوة الوحيدة القادرة على تحرير الإنسان من عبوديات العصر الحديث.
انطلق الحبر الأعظم في عظته من اللقاء البيبلي الشهير بين الشماس فيليبس والحاج الأفريقي العائد من أورشليم، متوقفًا عند تساؤل الأخير: "كيف لي أن أفهم إن لم يرشدني أحد؟". ومن هذا السؤال، استنبط البابا رؤية حول وضع الإنسان المعاصر؛ فالحاج في النص، رغم غناه وثقافته، كان "خصيًا" وعبدًا، يدير كنوزًا ليست له ويخدم سلطة تسيطر عليه، وهو وضع يعكس، بحسب قداسته، حالة الإنسان الذي يمتلك الأدوات التقنية والمعرفية لكنه يفتقد للحرية الروحية والقدرة على "توليد الحياة" بالمعنى العميق. غير أن اللقاء بالمسيح المصلوب والقائم، من خلال المعمودية، حوّل هذا الغريب إلى "ابن لله" و"أخ في الإيمان"، مؤكدًا أن تاريخ الخلاص هو بيت مضياف يتسع للجميع، ولا سيما للمهمشين والذين يشعرون بأن تعبهم يذهب لغيرهم.
وفي سياق تعميق الصلة بين الإيمان والواقع، شدد البابا لاوُن الرابع عشر على أن قراءة الكتب المقدسة ليست "تمرينًا فرديًا أو إجراءً تقنيًا"، بل هي فعل كنسي مستمر يتطلب مرشدًا وروحًا جماعية. وأوضح أن المسيح هو الكلمة الذي صار بشرًا، وفيه تجد كل نبوءات العهد القديم تمامها، بما في ذلك صورة "العبد المتألم" الذي يفدي البشرية.
وفي لفتة وفاء لسلفه، استشهد البابا لاوُن الرابع عشر بتعاليم البابا فرنسيس حول "فرح الإنجيل"، محذرًا من "الحزن الفرداني" الذي ينبع من القلوب المترفة والأنانية والمنعزلة. وأوضح أن الانغلاق على المصالح الخاصة يطرد الفقراء ويصم الآذان عن صوت الله، بينما المحبة الحقيقية هي التي تدفع المؤمن نحو الالتزام بقضايا العدالة والتضامن. واختتم الأب الأقدس زيارته بدعوة كنيسة غينيا الاستوائية لتكون "مبشرة شغوفة" على مثال الشماس فيليبس، لكي لا تبقى كلمة الله محبوسة في الكتب، بل تصبح "خبزًا صالحًا" يُكسر ويُوزع على الجميع من خلال شهادة الحياة والخدمة والمغفرة.
بهذه الروح، ودّع البابا لاوُن الرابع عشر مالابو، تاركًا وراءه دعوة لعيش "سر الأخوّة" وتجديد العهد مع المسيح الذي وصفه بأنه "نور غينيا الاستوائية نحو مستقبل من الرجاء"، في ختام رحلة رسولية سعت لترسيخ جذور الإيمان في أرض أفريقية واعدة، وتحويل آلام الماضي إلى ثمار للسلام والمصالحة الوطنية.















0 تعليق